القصة الحقيقية لفيلم باسم الأب الذي وثق واحدة من أسوأ فضائح الشرطة البريطانية

In the Name of the Father

و باسم الأب هو أحد أفضل الأفلام في تاريخ السينما البريطانية, بطولة الرائع “دانيل داي-لويس” الحاصل علي 3 جوائز أوسكار لأحسن ممثل. و لكن للاسف الفيلم “قصة حقيقية” لشخص تم إعتقاله بالخطأ ل 15 عاماً…

الشخصية الحقيقية علي اليمين و الممثل علي اليسار

و الفيلم مبني علي قصة حقيقية لأربعة اشخاص يُعرفوا بإسم “جيلدفورد فور” و تعني “أربعة جيلدفورد” و تأتي التسمية بسبب إتهام 4 اشخاص بالخطأ في حادث تفجير “ملهي جيلدفورد” الذي أدي لسقوط 5 أشخاص قتلي من ضمنهم 4 جنود بريطانيين عام 1974, في واحدة من أسوأ الفترات التي مرت علي تاريخ بريطانيا و هي فترة “الأزمات/المشكلات”, حيث تم إعتبار الأربعة تابعين للجيش الجمهوري الأيرلندي المنشق بالخطأ.

أربعة جيلدفورد

و الفيلم مأخوذ عن السيرة الذاتية التي وضعها بطل الفيلم, أو بمعني أصح بطل القصة الحقيقية في كتاب. و هناك بعض الاختلافات بين الفيلم و القصة الحقيقية و للآسف أهمهم هي أجمل جزء بالفيلم و هو تحول العلاقة بين الإبن و الأب فهي كانت قصة درامية فقط, و لكن سنروي هنا القصة الحقيقية للفيلم الذي حقق أرباح أكثر من 40 مليون دولار عام 1993. و أصبح من القطع الأثرية في تاريخ السينما…

جيري كونلون

و بطل القصة “جيري كونلون” من مواليد مدينة بلفاست عاصمة أيرلندا الشمالية, و كان يصف طفولته بالسعيدة, و عندما وصل لعمر ال 20 عاماً, كان العنف قد أشتد في بلفاست بشكل متعب في فترة صراع حاد بين الجهة الانفصالية في أيرلندا الشمالية و الجيش البريطاني, فهرباً من المشاكل أتجه “جيري” نحو أرض الأحلام “لندن” بحثاً عن وظيفة و حياة هادئة حيث كان يعيش مع مجموعة من الشباب من فئة تُعرف بال”سكوترز” و هم مجموعة يقوموا بدخول البيوت أو الأراضي الغير مملوكة و يعيشوا بداخلها بنظام وضع اليد.

جيري كونلون

و لكن بعد وصول جيري إلي لندن وقع الحادث الكارثي الشهير تفجيرات حانة “جيلدفورد” الذي راح ضحيته العديد, و كان الحادث ضمن عدة حوادث تفجير مشابهة وقعت في تلك الفترة في فترة تُعرف بفترة “الأزمات/المشكلات” و هي صراع حاد بين جهة تريد الإنفاصل بأيرلندا الشمالية و ضمها لجمهورية أيرلندا (كاثوليك) ضد القوات البريطانية و جهة آخري موالية للعرش البريطاني (بروتستانت).

الجيش الجهوري الحر المنشق – القوات الإنفصالية

و في يوم الحادث تم القبض علي جيري برفقة 3 أيرلنديين آخرين, و قبل وقوع الحادث عام 1974, كان قد صدر قرار في بداية السبعينات من القرن الماضي أي قبل الحادث بسنوات قليلة, و كان القرار يفيد بمنح الشرطة حق إعتقال أي شخص دون دليل مادام متهم بقضية إرهابية لمدة أسبوع و كانت 48 ساعة فقط في السابق, و يرجع ذلك لظروف الإرهاب التي أنتشترت في بريطانيا في تلك الفترة.

دانيل داي لويس

و تم إعتقالهم و تعذيبهم, حيث ذكر جيري, أن الشرطة قامت بالضغط عليهم و تخويفهم و تهديدهم بعائلاتهم أيضاً, و اضاف جيري أن أعراض إنسحاب المخدرات من جسدهم كانت عامل هام في شعورهم بالتوتر و الألم, مما ادي لقيامهم بالإعتراف بالنهاية “مجبرين” علي إرتكابهم الجرائم حيث وصل بهم الحال أن السجن أرحم مما يحدث معهم أثناء التحقيقات.

و فور أن علم والد جيري بإختفاءه أنطلق علي الفور إلي لندن ليتابع قضية إبنه, كأي أب مخلص, حيث كان يبيت في منزل أقاربه العائلة التي اشتهرت لاحقاً باسم “الماجوير سڨن” أو “المجاوير السبعة”, و قامت الشرطة بمداهمة ذلك المنزل و تم إعتقال العائلة بالكامل و عددهم 7 أشخاص بمن فيهم والد “جيري” نفسه و تم اعتقالهم بعد شهرين من إعتقال إبنه, ديسمبر عام 1974.

الوالد الحقيقي علي اليمين و الممثل علي اليسار

و بعد مرور عام تقريباً من المحاكمات تم إدانة ال 4 أشخاص المعتقلين في البداية و الحُكم عليهم بفترات متنوعة أغلبها تتخطي ال 30 عام, و في العام التالي تم الحُكم علي السبعة من ضمنهم والد جيري بالسجن لفترات مختلفة أغلبها 15 عاماً, بعد إدانتهم لثبات العثور علي “نيتروغليسرين” في المنزل و هي مادة كانت تُستخدم في تصنيع قنابل للجيش الجمهوري الأيرلندي.

و كان والد جيري يعاني من مرض بالجهاز التنفسي, و بعد أن تم سجنه عام 1976 لم يتحمل ظروف السجن و توفي بعد 4 سنوات بسبب المرض. و أدي ذلك لتحول كامل في شخصية جيري نفسه من مجرد مسجون طائش إلي رجل يشعر بالمسئولية….

و بالرغم من تقديم ال 4 أشخاص حجج غياب, بتواجدهم في أماكن آخري أثناء التحقيقات, و بشكل خاص “جيري” بطل الفيلم/القصة الحقيقية, عندما كانت حجة غيابه انه كان مستلقي علي مقعد بمنتزه بعيد عن الحادث و بالمقعد المجاور كان هناك رجل يدعي “تشارلز بروك” الذي شهد في البداية أن جيري كان بجواره و لكن ضغطت عليه الشرطة لإخفاء تلك الشهادة و وعدهم بعدم الإدلاء بها خوفاً منهم و أخفي السر معه لسنوات, و في السجن سيطر الإحباط علي ال 4 مسجونين لسنوات حتي البداية في عام 1977 (بعد سجن والد جيري بعام واحد) و لكن فشلت المحاولة و تم إخفاء قضيتهم, و أستمروا في السجن حتي عام 1980, أي حتي وفاة والد جيري و كانت نقطة فارقة في حياته.

و أشتعلت حملة إعلامية ضخمة في نفس عام وفاة والد جيري من بلفاست عاصمة أيرلندا الشمالية و دبلن عاصمة جمهورية أيرلندا (الجنوبية) و لندن عاصمة إنجلترا كلها تشكك في إتهامات هؤلاء الأربعة, و في عام 1989 بدأ تحقيق دقيق في ذلك الشأن و بدأت الاتهامات الشديدة تجاه الشرطة عندما تم إكتشاف أن هناك تعديلات واضحة في إدلاءات المتهمين التي تم القيام بها علي يد الشرطة, و جاءت النجدة عندما بدأت المحامية الشهيرة “جارث بيرس” بالإهتمام بالقضية و بدأت تبحث بعمق عن الحقيقة رغم مقاومة الشرطة بكل الطرق, و أكتشفت دلائل آخري تفيد بإخفاء حجة الغياب التي قدمها كل متهم منهم و إثباتها و تم الإفراج عن الأربعة بالفعل في 19 اكتوبر عام 1989 بعد قضائهم 15 عاماً بالسجن وسط حملة تاريخية ضخمة كانت تُعرف ب “فري ذا فور” أو “اخلوا سبيل الأربعة” و رغم المحاولات لم يتم إدانة أي من الضباط البريطانيين بأي تهمة.

جيري يوم إخلاء سبيله

و تغير وضع المتهمين تماماً بعد ان تم إطلاق سراحهم  فحصل أحدهم علي جائزة تقدير لأعمال خيرية و نشاط إجتماعي, كما تم منحهم تعويض بقيمة 500 ألف جنيه أسترليني من الحكومة, و تزوج أحدهم و هو “بول هيل” من “كورتني كينيدي” و هي ابنة السناتور الأمريكي الشهير “روبرت كينيدي” و عمها رئيس أمريكا السابق جون كينيدي اللذان تم إغتيالهم سابقاً.

بول هيل

و في عام 2005 قام توني بلير (رئيس وزراء بريطانيا السابق) علناً بالإعتذار بشكل رسمي للأربعة و العائلات المتضررة, و ظلت والدة جيري تكافح حتي برأت اسم زوجها المتوفي والد جيري قبل وفاتها بقليل عام 2008, و من هنا يأتي اسم الفيلم و الكتاب “باسم الأب” و يرمز لوالد جيري, في واحدة من أسوأ القضايا التي عبرت عن سوء تعامل الشرطة مع الأزمة في تلك الفترة, ليوثق ذلك الفيلم واحدة من أكبر الفضائح في تاريخ الشرطة البريطانية.

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: