سلسلة: من حياة الناصر صلاح الدين و الدنيا الأيوبي, التفاصيل الغير متداولة: الجزء السابع

الجزء السابع: صراع الأصدقاء و إنتهاء الود و لكن يبقي الوفاء, صلاح الدين و أخلاقه

و بعد أن أصبحت مصر دولة قوية داخلياً و دولة هامة عسكرياً و تمكن صلاح الدين من الحُكم و وضع أقاربه و من يثق بهم لتولي زمام أمور الدولة, علي أمل أن يُصبح واثقاً بإمكانية قيادة الجيش في حملات هامة خارج مصر و لا يقلق و هو يترك مصر خلفه… بدأ يتحرك صلاح الدين نحو ما هو أهم.

فأنطلق نحو فلسطين بعد الاستعداد عام 1170 و خرج عموري الأول من غزة متجه نحو مدينة “دير البلح” حيث كان يشتبك صلاح الدين مع القوات الصليبية هناك, و لكن فاجأه صلاح الدين ببراعة عندما ألتف حول الجيوش القادمة ليجد العموري نفسه خارج غزة و تصله أخبار أن صلاح الدين خلفه يدمر المدينة الصليبية التي تم بناءها علي أطراف غزة و تمكن صلاح الدين أيضاً من “حصن إيلات” الصليبي ليُصبح المسيطر علي خط الهجوم و الدفاع بخليج العقبة و يمنع الصليبين من مصدر دخل هام و هو قيامهم بإستغلال الحصن لمهاجمة السفن التجارية المارة من خلال الخليج و فرض رسوم إجبارية أشبه بأسلوب القرصنة. و تمكن صلاح الدين من ذلك الحصن كان بمثابة مصدر أمان لتجارة المسلمين ليضع ذلك الأمر صلاح الدين في المقدمة علي قادة الدولة الإسلامية بالكامل آنذاك.

صلاح الدين الأيوبي

و كان يهدف صلاح الدين في النهاية لإنهاء تواجد الصليبيين في المنطقة بالكامل, و لكن بالرغم من تعيين أقاربه بمناصب هامة بالدولة إلا أن صلاح الدين لم يكن مستريح لترك مصر خلفه, و جاء ذلك كما ذكرنا في الجزء السابق:

بعد أن تأخر صلاح الدين في الإستجابة لمطالب نور الدين زنكي بجعل الإمام في خطبة الجمعة ينادي باسم الحاكم السلطان العباسي, نشب خلاف حاد بينهما بشعور نور الدين أن صلاح الدين مهتم بسمعته داخل مصر أكثر من تنفيذ أوامر السلطان.

و أستمر ذلك الخلاف بينهما لفترة طويلة و بدأ يتحول لأزمة و في العام التالي (1172) قرر صلاح الدين أن يبدأ حملته للتمكن من الكرك و الشوبك في الأردن, ثم قام بإلغاء الحملة و لم يكملها خوفاً من أن يتمكن زنكي من خلال الشوبك و الكرك أن يبدأ هجمة شرسة علي مصر وبالإضافة إلي وصول أنباء لصلاح الدين أن الصليبيين يعدوا لهجمة داخلية للتمكن من الحُكم من خلال الخونة الموالين لهم داخل مصر, فلما فهم نور الدين ما يدور في بال صلاح الدين أعد لحملة لكي يعزل صلاح الدين من منصبه. و كان ذلك ضمن أصعب فترة في حلم صلاح الدين بتوحيد الأمة العربية تحت راية واحدة قوية.

نور الدين زنكي

و أشار والد صلاح الدين عليه بأن يُرسل إلي نور الدين إعتذار و ألا يدخل في حرب ضده, و لكن رفض نور الدين و أرسل يطالب صلاح الدين بدفع 200 ألف دينار له, و كان قد دعم بهم حملة شيركوه سابقاً علي مصر فأرسل له صلاح الدين 60 ألف و بعض الهدايا فقط و أستغل صلاح الدين فرصة تلك القافلة المنطلقة نحو نور الدين و أخرج جيش قام بضرب البدو علي طول الطريق و طردهم من الأراضي الصليبية بين البلدين خوفاً من أن يقوموا بتوجيههم لدخول مصر و لأماكن الضعف و القوة لعلمهم الجيد بالمنطقة و بثغراتها.

و بحلول عام 1174 كان زنكي قد أعد جيشاً, و كان قد توفي والد صلاح الدين آنذاك, و كان زنكي قد أرسل طلباً للمساعدة علي تشكيل جيش من الموصل و غيرها من المدن و لكن توفي زنكي قبل أن يبدأ تلك الحملة, ليتوفي زنكي و هو علي خلاف مع صلاح الدين لتموت تلك الصداقة و لكن علي الأقل قبل أن يلحق أحدهما الأذي بالآخر.

و بعد أن توفي زنكي ظهر أصل صلاح الدين, فأنتقل الحُكم إلي الصالح إسماعيل و كان بعمر ال 11 عاماً و كان صلاح الدين أمامه فرصة ذهبية أن ينطلق نحو دمشق و يتمكن منها و لكنه رفض ذلك و قال أنه يرفض الخروج علي الحاكم الصالح و يعتبره ضد الدين و ضد أخلاقه و ضد الوفاء, و لكن في جميع الأحوال لم يكن هدف صلاح الدين السيطرة علي دمشق للطمع بل كان يفكر أنه من الأفضل أن يبدأ حملة علي الصليبيين من هناك بدلاً من مصر و لكنه كان سيبدأ الحملة في جميع الأحوال, و أرسل خطاب عزاء إلي الصالح ينعي وفاة والده. و كانت تلك خطوة حكيمة من صلاح الدين فإذا كان قد قام بمهاجمة دمشق فكان سيؤخذ عنه إنطباع الإنقلاب علي من ولاه قيادة الجيش و الدولة و لن يأخذ كل الثقة التي نالها لاحقاً أثناء قيادة جيوش المسلمين.

نور الدين زنكي

و بذلك ينتهي دور نور الدين زنكي في حياة صلاح الدين للأسف بالعداء بعد صداقة ناجحة دامت في الخير بينهما لسنوات. و لكن من هنا تبدأ مرحلة جديدة و هي الدولة الأيوبية كتسمية, فيُعتبر بوفاة نور الدين أصبحت مصر مستقلة تماماً عن الدولة العباسية في تلك الفترة من ناحية الحُكم. و بذلك يكون قد فقد صلاح الدين تقريباً كل من كان يستشيرهم و كل من كانوا أكثر منه خبرة و بمثابة مرجع بوفاة شيركوه ثم والده ثم نور الدين. ليبدأ صلاح الدين بالإعتماد بالكامل علي حُكمه و علمه وحده. و كان كافياً.


السابق: الجزء السادس: الحملة الصليبية علي مصر و صعود صلاح الدين كقوة مستقلة في مصر, و إنتهاء الدولة الفاطمية و خطوات بداية حركة النهضة المصرية في عهد صلاح الدين


التالي: الجزء الثامن: صلاح الدين من إمارة لمُلك و محاولة إغتياله الأولي


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

رأيان حول “سلسلة: من حياة الناصر صلاح الدين و الدنيا الأيوبي, التفاصيل الغير متداولة: الجزء السابع

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: