كنيسة القديس سابا الأرثوذكسية الشهيرة

حكاية كنيسة أرثوذكسية أنتصرت علي عوائق “تاريخية” علي مدار 340 عاماً, كنيسة القديس سابا, واحدة من أكبر و أشهر الكنائس الأرثوذكسية بالعالم

كنيسة القديس سابا التي يرجع تاريخها لعام 1595, حينما تم حرق رفات القديس سابا بأوامر من سنان باشا الصدر الأعظم للدولة العثمانية, و تم بناء الكنيسة في نفس الموقع بالتحديد الذي تم حرق رفات القديس بها, و تقع في بلجراد عاصمة صربيا حالياً  و عاصمة يوغوسلافيا سابقاً أحد أقدم و أكثر المدن التاريخية عراقة في شرق أوروبا

و القديس سابا هو الأب المؤسس للكنيسة الأرثوذكسية في صربيا, و أحد أهم الشخصيات في تاريخها أيضاً, أما موضوع حرق رفاته, ففي عام 1594 أشتعلت إنتفاضة ضخمة ضد الحُكم العثماني في صربيا ضمن أحداث “الحرب الطويلة” أحد أشهر الحروب في تاريخ البلقان بين الامبراطورية الرومانية المقدسة و تحالفات مسيحية ضد الدولة العثمانية و كان القديس سابا رمز هام جداً في الحرب, بالرغم من إخماد تلك الانتفاضة سريعاً إلا أن القديس سابا كان يتم حمل شعار يرمز إليه كأعلام للانتفاضة, و أشتد العداء بين الدولة العثمانية و رجال الدين في صربيا بشكل خاص بعد ان تحالف رجال الدين مع قوي خارجية و تمكنوا بمساعدتهم أن يتمكنوا من مناطق عديدة داخل صربيا قبل إحباط الأنتفاضة

الصلح في نهاية الحرب الطويلة

و بشكل عام كان ذلك الأمر هو المعتاد, فالصراعات السياسية في السابق, و بالتحديد في تلك الفترة, كانت صراعات دينية بحتة و كان الدين هو الأساس و يغلب القومية و الوطنية في حالة التحالف, علي عكس الوضع الحالي فتجد حالياً أنه أمر عادي أن يصطف المسلم و المسيحي في جيش ضد عدو الوطن

و رداً علي تحالفات رجال الدين و غيرهم داخل صربيا مع قوي معادية للدولة العثمانية, تم معاقبتهم بتهمة الخيانة للدولة و بدأ سنان باشا بحملة تطهير و إعدام للبعض منهم, و في شهر أبريل عام 1595 تم حرق رفاتهم و كان من ضمنهم القديس سابا, و تم حرق رفاته فوق “هضبة فراسار” في صربيا, و من موقع تلك الهضبة يُمكنك أن تُشاهد مدينة بلجراد بالكامل, لذلك يذكر شهود من الحادث في مذكراتهم أن عملية الاعدام و حرق الرفات كان يراها جميع سكان بلجراد بسبب موقع الحرق و كان أختياره متعمد

حرق رفات القديس سابا حسب ما تم تخيله في لوحة تم رسمها في القرن ال 19

و أنتهت الانتفاضة بذلك, و بعد مرور العديد من السنوات, 300 عام بالتحديد, عام 1895, تم تشكيل جمعية مخصوصة باسم جمعية بناء كنيسة القديس سابا علي هضبة فراسار, و كان ذلك بعد استقلال بلجراد من الحُكم العثماني للمرة الأخيرة و أصبحت تتبع مملكة صربيا منذ عام 1882, و كانت بلجراد علي مدار تاريخها مطمع للجميع بسبب مساحتها و موقعها, حيث تمكن منها العثمانيون و ظلت الحروب بينهم و بين الامبراطورية الرومانية المقدسة تنقل المدينة من سلطة لآخري لأكثر من مرة حتي استقلت تماماً عام 1815 و أصبحت مملكة صربيا علي يد الملك “ميلان” عام 1882 ثم ضمت بعض المناطق و أصبحت مملكة يوغوسلافيا و هي حالياً جمهورية و فقدت العديد من المناطق بعد حروب يوغوسلافيا الشهيرة في أواخر القرن ال 20 و مطلع ال 21

الملك ميلان الأول

و كانت تهدف تلك الجمعية لبناء “معبد” فوق مكان حرق رفات القديس سابا, و بالفعل تم بناء “كنيسة صغيرة” في البداية و لكن تم نقلها بعد ذلك و تم الشروع في بناء معبد بالفعل, و في عام 1905 تم طرح مسابقة لأفضل تصميم لكي يتم أختياره كتصميم للكنيسة, التي ستعكس فترة هامة في تاريخ بلجراد, و لكن جميع التصاميم التي تم تقديمها تم رفضها لأنها لم تنل رضاء اللجنة القائمة, و في عام 1912, توقف الأمر بالكامل بعد أن اندلعت حرب البلقان الأولي عام 1912, ثم حرب البلقان الثانية, ثم الحرب العالمية الأولي, و خلال تلك الفترة توقف العمل تماماً علي المشروع

حروب البلقان

انتهت الحرب العالمية الأولي عام 1918, و في العام التالي مباشرة تم تشكيل اللجنة مرة اخري و استمرت تكافح من أجل البدء بالمشروع و في عام 1926  تم تقديم تصاميم جديدة “22 تصميم” و بعد أن فاز التصميم الأول بالمسابقة, إختارت اللجنة التصميم الذي حصل علي المركز الثاني الذي نال إعجابهم اكثر من ذلك الذي حصل علي المركز الأول

و أخيراً بعد 40 عاماً من العمل علي البناء تم أخيراً بدء عملية البناء للكنيسة عام 1935, بعد مرور 340 عاماً علي حرق رفات القديس سابا, و بمجرد اكتمال القواعد و الأساسات للكنيسة تم غزو يوغوسلافيا عام 1941 أثناء الحرب العالمية الثانية علي يد ألمانيا النازية ليتوقف العمل مرة آخري, بل و أستخدم الاحتلال النازي الكنيسة كموقف للسيارات, و في عام 1944 تم تحرير يوغوسلافيا و لكن تمكن منها الجيش الأحمر السوفييتي الذي استخدم المبني أيضاً لنفس الغرض, و ظل ذلك الاستخدام للمبني لسنوات

يوغوسلافيا في فترة الاحتلال النازي

و بعد مرور العديد من السنوات يذكر رئيس صربيا “بوريس تاديتش” الذي ترك منصبه منذ 7 سنوات “أنه بعد مرور أجيال عديدة فقد المبني هويته و لم تعد تدرك الأجيال الجديدة لماذا تم بناء تلك الاساسات و ما الهدف من المشروع بالاساس و تحول لساحة يلعب فيها الأطفال, و كان من ضمنهم بوريس نفسه” و في عام 1958 في عهد الزعيم اليوغوسلافي الشهير تيتو رغم الإلحاح شديد و إرسال 88 طلب لإعادة البناء لم يهتم الزعيم تيتو و لم يتم إعادة البناء, حتي عام 1984 تم الموافقة علي البناء في عهد الرئيس “دوشان سكريبيتش”

الكنيسة حالياً أحد أجمل الكنائس في العالم

ليتم استكمال ذلك المشروع التاريخي العملاق و من أشهر القطع بالكنيسة هي القبة التي تزن “4 آلاف طن” و تم رفعها في فترة وصلت ل 40 يوماً حتي تم وضعها بنجاح في النهاية عام 1989 و استمر العمل حتي بدأت الازمة في يوغوسلافيا و صراعات صربيا و حروبها مع الدول المحيطة و في عام 1999 قام حلف الناتو بقصف صربيا لردعها عن الهجمات علي الدول المحيطة مما أدي لوقف العمل علي بناء الكنيسة

و في عام 2001 تم استكمال العمل, و هو قائم حتي اليوم و ساهمت روسيا أيضاً في ذلك العمل و بحلول شهر فبراير العام الماضي تم الإتفاق علي التصميم الداخلي للكنيسة و الكنيسة بشكل عام تم تصميمها لتشكل الصليب اليوناني, و تُعتبر من أهم المزارات و العلامات التي تميز مدينة بلجراد الشهيرة

الكنيسة من الداخل

أما عن أبعادها فطولها 91 متر و عرضها 81 متر و ارتفاعها 78 متر و تتسع ل ٧ آلاف شخص, و جاري استكمال المشروع حتي الآن, ليُصبح المشروع حتي اليوم قد أستغرق بناءه 124 عاماً بعد ان تم البدء بالمشروع و 424 عاماً مروا علي وفاة القديس سابا

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: