المعني الحقيقي لمقولة “بالعلم تنهض الأمم”, في مثال بسيط جداً يُظهر كيف تُدار دولة بعقلية السويد

الصورة للعاصمة السويدية “ستوكهولم” في يوم تغيير القيادة لجعل حركة المرورعلي الجانب الأيمن بدلاً من الأيسر عام 1967, و عكس ما يتم نشره و هو خطأ تماماً هذه الصورة “ليست صورة حوادث” ذلك اليوم. بل قصة تلك الصورة ستعرفها بعد قراءة التالي.

و هذه الصورة ليست من فيلم بل هي صورة حقيقية ليوم شهير جداً في تاريخ السويد يُعرف باسم “يوم نقل القيادة إلي اليمين” و يُختصر باسم “داجن هوة” (Dagen H) و تعني بالعربية “يوم حرف الهاء” و ذلك لأن نقل القيادة إلي اليمين أو بمعني أدق “حركة المرور اليُمني” لها مصطلح باللغة السويدية يُعرف ب “هوجرترافيككومليجنينيان” و هي كلمة واحدة عملاقة بالسويدية “Högertrafikkomläggningen”.

و كان ذلك اليوم بتاريخ السويد هو يوم 3 سبتمبر عام 1967, و كانت القيادة في السويد مثلها مثل بريطانيا و هونج كونج و اليابان, حيث يجلس السائق علي اليمين بالسيارة, و لكنها منذ ذلك التاريخ أصبحت علي اليسار مثلها مثل مصر و أمريكا و أغلب دول العالم.

بالأعلي حركة المرور بالجانب الأيسر و بالأسفل الأيمن

و في البداية رغم أن ذلك قرار ليس بالهام, إلا أن تعرضت السويد لأزمة بسبب ذلك القرار و بشكل خاص من الدول المحيطة و هي النرويج و الدنمارك و فنلندا, حيث قدموا أعتراض رسمي و ذلك نتيجة مرور 5 مليون سيارة علي الأقل كل عام من تلك الدول عبر الحدود داخل السويد, الأمر الذي كان سيتسبب في أزمة.

و تم عمل إستفتاء في السويد بشأن ذلك القرار عام 1955, و تم التصويت من الشعب بنسبة 83% لصالح أن تبقي القيادة علي اليسار فظل الأمر لبضعة سنوات حتي قام رئيس الوزراء السويدي في عام 1963 بتقديم طلب رسمي للبرلمان و تم إعتماده من البرلمان, علي أن يتم تغيير القيادة لتُصبح علي اليمين مثل أغلب دول العالم.

و لأن السويد بشكل عام من أكثر الدول المنظمة في العالم, و حكومتها من أكثر الحكومات الناجحة و ترتيبها ممتاز من ناحية الشفافية علي مدار تاريخها, و ذلك ليس مدح فهو حقيقة موثقة, تم إستشارة لجنة من الأطباء النفسيين الذين قاموا بإعداد دراسة تفيد بتشكيل برنامج لإعداد الشعب لنقل حركة المرور من اليسار إلي اليمين, و يشمل هذا البرنامج حملة دعائية ضخمة في الشوارع و الصحف و علي علب المنتجات الغذائية لشعار نقل مقعد القيادة لمدة 4 سنوات, و بالفعل تم التطبيق عام 1967. و في ذلك اليوم تم إضافة العديد من إشارات المرور و تم تغطيتها للحفاظ عليها حتي اليوم الموعود, و في يوم تطبيق القانون 3 سبتمبر أنطلق العمال في الصباح الباكر ليقوموا بإزالة الغطاء عن الإشارات الإضافية و العلامات التي تذكر السائق بالتغيير.

و نص القانون علي أنه أي شخص سيتحرك في الشوارع يجب أن يتواجد في الشارع بسيارته الساعة 4:50 صباحاً, و أنتشر ضباط المرور في جميع أنحاء السويد, و بالتحديد في الساعة ال 5:00 مع إشارة الضابط أنتقلت جميع السيارات من اليسار لليمين, ثم تم منح عشر دقائق آخري للسيارات الأخري لتنتقل للجانب الآخر ليبدأ التطبيق منذ تلك اللحظة.

السيارات تقوم بتغيير إتجاهها

أما في ذلك اليوم الذي تم التغيير فيه و لفترة قصيرة, أنتشرت الحوادث في جميع أنحاء السويد و بشكل خاص في الطرق الضيقة ذات حارة واحدة لكل إتجاه حيث كان يصطدم السائقين وجهاً لوجه نتيجة سوء السيطرة علي السيارة و لكن بسبب النظام الذي تم تطبيقه لم تكن هناك أي حادثة خطرة علي الإطلاق.

و لكن السؤال, لماذا فعلت السويد كل ذلك؟

و الإجابة ببساطة, لأن تطبيق العلم هو سر تحرك أي أمة نحو الأفضل, فبعد أن ظل معدل الحوادث في السويد متزايد و بشكل خاص في بداية الأسبوع, بدأت السويد بعمل دراسة متعمقة في الأسباب الحقيقية للحوادث و الحلول, و توصل المتخصصين في النهاية لحل و هو تغيير القيادة من اليسار إلي اليمين, و ذلك يكمن في سبببين:

الأول, أن تغيير مكان القيادة سيضع السائق تحت ضغط إجباري يلزمه علي التركيز أكثر لتفادي التعرض لحادثة مما سيزيد من إلتزام السائق بقواعد المرور.

و الثاني, أن الشعب السويدي الذي قضي فترة طويلة في الإلتزام بالقيادة علي اليسار عندما يبدأ بالقيادة علي اليمين سيساعده تجربته للقيادة من الجانبين علي التمكن أكثر مع الوقت و كشف الطريق بشكل أفضل كونه جرب الوجهتين.

و صدق أو لا تصدق, إنخفضت نسبة الحوادث في السويد لمدة عامين بنسبة 30% تقريباً, و أنعكس ذلك علي شركات التأمين التي توقفت عن دفع تعويضات بسبب الحوادث أدي لخفض مصروفاتها بنسبة 40% بالعام. و دفعت السويد بألف حافلة جديدة للشوارع بالنظام الجديد.

الأمر الذي دفع أيسلندا لتطبيق نفس الأمر و حمل اليوم نفس الإسم في العام التالي 1968.

و ماذا عن النرويج و فنلندا و الدنمارك؟

قاموا بتغيير القيادة إلي اليمين أيضاً.

صورة ملونة للحظة تغيير الطريق

و بذلك تكون أتضحت حقيقة الصورة الزائفة, حيث يتم السخرية من دولة علي أنها صورة حوادث, و لكنها في الحقيقية صورة تعبر عن أحد أفضل اللحظات المنظمة في تاريخ المرور في العالم.

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: