حرب “ويليام”: صراع المحامي و الاسقف

واحد من أشهر الصراعات في تاريخ بريطانيا, و كيف تسبب الاسقف “ويليام لاود” بسجن المحامي “ويليام برين” ليتحول الأمر بتسبب المحامي برين بإعدام لاود بالنهاية. الصراع الذي استمر 12 عاماً. في فترة ما بين عام 1633 إلي 1645.

قطع أذن برين بالأعلي و إعدام لاود بالأسفل

وبرين كان محامي وكاتب وشخصية سياسية انجليزية شهيرة, و كان من ألد أعداء تدخل السلطة العليا بإنجلترا بشئون الكنيسة, و برين كان بروتستانتي تابع للبروتسانتية “التطهيرية” و هو مذهب ديني اجتماعي كان يهدف في النهاية لإلغاء الرتب الكنسية.

ويليام برين

 أما “ويليام لاود” كان أسقف كانتربري و كان رجل هام بالدولة و أسند إليه من الملك “تشارلز الأول” أن يقوم بعملية تحديد و إعادة هيكلة ثم توحيد للكنيسة الانجليزية و الويلزية. و يُعتبر لاود بروتستانتي “أرميني” ليس نسبة لأرمينيا و لكن نسبة ل “جاكوب أرمينيوس” الهولندي الذي أسس فكر و مذهب الإصلاح الكنسي الذي تبعته الحركة الإصلاحية الهولندية (البروتستانتية). و كان لاود معادي تماماً للكالفينية.

ويليام لاود

و بداية العداء كانت من طرف برين (المحامي و الكاتب) الذي كان مضاد للمناسبات الدينية من ضمنهم “الكريسماس”. وقام باصدار كتابات التي بدأت تؤثر بالعامة في إنجلترا, ثم تطور الأمر و أصدر كتابات اخري كانت تُهاجم الاعمال المسرحية في فترة كانت قد قامت الملكة نفسها بأخذ دور بسيط في عرض مسرحي الأمر الذي بث الشعور بالعامة انه يهاجم الملكة “هنريتا ماريا” (زوجة الملك تشارلز الأول) و لمح لتشبيهات ب”نيرون” (الامبراطور الروماني الشهير بحادثة حرق روما) التي تم اعتبارها ايضاً هجوم علي الملك “تشارلز الاول” نفسه. و جمع كل ذلك و قام بنشره في مجلد مكون من ألف صفحة يشمل مهاجمات للمناصب الرفيعة بالدولة و الحكومة و الجهات العليا بالكنائس عام 1632.

الملك تشارلز الأول و زوجته الملكة هنريتا ماريا

و بعد إنتشار كتاباته التي أغضبت السلطة, تسبب ذلك في سجنه لمدة عام في برج لندن ثم قيام المدعي العام بتوجيه الاتهامات ل”برين” في قاعة المحكمة و الحكم عليه بالسجن مدي الحياة وغرامة 5 الاف جنيه استرليني (مبلغ كبير جداً آنذاك) و لم يكتفي بذلك بل أصدر قرار بأن يتم نزع درجته العلمية التي حصل عليها من جامعة “أكسفورد” منه, و قطع اذنيه بال”مشهرة” (وهي الة تعذيب خشبية) عام 1634.

قطع أذن برين

و اثناء سجنه بدأ “برين” بمراسلة الاسقف “لاود” الذي كان يعتبر قائد اعداءه, و كان يوضح في رسائله عن عدم تطبيق العدالة وان الحكم الصادر ضده غير قانوني و راسله بصفته أعلي رتبة كنسية في الدولة, فقام “الاسقف لاود” بتسليم الخطاب إلي المدعي العام كوثائق ودلائل يمكن استخدامها في محاكمة جديدة.

وتم جلب “برين” لكي يتم استجوابه حول خط يده و لكن المفاجأة أنه خدعهم حينما أمسك بالخطابات و قام بتمزيقها علي الفور ليدمر الأدلة, فتم إعادته للسجن و لكنه أستمر في كتاباته و بدأ ينشر خطابات آخري التي تزامنت مع وفاة المدعي العام. فقام “برين” بارسال خطابات تهديد للقائمين علي سجنه بأن وفاة المدعي العام هو انذار لهم بسبب الظلم و خرق القوانين, فتم جلبه مرة اخري للمحاكمة عام 1637 وتم الحكم عليه ب 5 الاف جنيه استرليني اخرين غرامة, واستمرار السجن مدي الحياة وقطع ماتبقي من اذنه بنفس الطريقة, ولكن اضاف القاضي علي ذلك ان يتم وضع علامة علي خديه بأحرف “S و L” نسبة لكلمة لاتينية  “Seditious Libeller” و المقصود بها “نشر/تشهير للفتن”.

برين يكتب الخطابات

وتم منع عنه اي اقلام او احبار او كتب واعطائه الانجيل فقط مع بعض كتب الصلاوات والمفاهيم الارثوذكسية, حيث كان “لاود” علي تواصل جيد مع الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية, ثم تم نقله بعد ذلك إلي سجون اخري ليتم عزله تماماً عن اصدقائه. و لم يُحبط برين رغم كل ذلك بل كان يقول أن الحروف “S.L.” علي وجهه تعني “Sign of Laud” و يقصد “علامة المجد”.  

رسم لنفس المكان الذي سُجن به برين

و بسبب كل ما سبق ذكره عن برين, و عندما أعتقد لاود أنه تخلص منه تماماً, كان يعتبره كل أعداء الملكية “بطل قومي” فتدخل البرلمان “الطويل” و تم الإفراج عنه و إعتبار التهم الموجهة ضده “غير قانونية” و رد درجته العلمية له و عضويته بمجلس “لينكولن” و أصبح من أهم رجال الدولة للبرلمان عام 1640. لتبدأ الحرب الأهلية بعد عامين فقط و كان برين من أهم داعميها.

البرلمان الطويل: و التسمية بسبب وضع شرط حل البرلمان بموافقة أعضاءه الامر الذي تسبب في استمراره لفترة طويلة

و أثناء الحرب الأهلية بدأت قوات البرلمان تتمكن من الدولة شيئاً فشيئاً و أنقلب الوضع, و بعد أن كان لاود هو الخوف الدائم الملازم لبرين, أصبح برين هو أسوأ كابوس للاود, و عندما أراد البرلمان محاكمة لاود, طلب برين أن يتولي مهمة جمع الأدلة التي تدين الأسقف لاود, و بالفعل بدأ بالتفتيش في غرف لاود و مكتبه بل و بدأ في كتابة و صياغة عريضة التهم التي تم توجيهها للاود. بعد أن حالفه الحظ بالعثور علي مذكرات “يوميات لاود”.

محاكمة لاود

و بدأت محاكمة لاود و كان برين يجلس و يشاهد بمنتهي السعادة و هو يسمع القاضي يُطلق حُكمه عام 1645 ب”إعدام الأسقف لاود”. و لم يكتفي بذلك بل بدأ برين يستعد لفضح لاود بنشر يومياته و بدأ ينشر أجزاء منها التي أحدثت ضجة كبيرة و شوهت لاود كثيراً و لكن منعته المحكمة و أتهمته بإستغلال المحاكمة و الحقوق الممنوحة له استغلال سئ و تم وقف إصدار اليوميات.

إعدام لاود

و لم يمضي الكثير حتي قام كرومويل (قائد الجيش المضاد للملك بالحرب الأهلية و الذي أصبح بعد ذلك حاكم الجمهورية الانجليزية) بالهدف الحقيقي وراء إعدام الملك و إسقاط الملكية و تحويلها لجمهورية, حينما أعلن رسمياً عن عودة اليهود مرة آخري لإنجلترا ( وكان ممنوع تماماً دخول اليهود إنجلترا لسنوات طويلة) و تمكن لاحقاً أول يهودي من دخول البرلمان الإنجليزي في تاريخه و كان “روتشيلد” و كان برين الذي يقف بصف كرومويل دائماً بعد إنقاذه قد أشاد بذلك و كتب عنه أيضاً.

كرومويل ينظر لجثة الملك تشارلز الأول

و بعد عدة صراعات مع الحكومة الجديدة تم سجن برين مرة آخري ثم الافراج عنه بكفالة ألف جنيه استرليني ثم استمر في نشر الكتب و مهاجمة الحكومات حتي هدأ بالنهاية و تمكن من دخول البرلمان لفترة و لكن فشل في التمكن من دخوله مرة آخري بعد عودة تشارلز الثاني و عودة الملكية و أنهي حياته بمنصب كاتب سجلات ببرج لندن حتي وفاته.

برج لندن

و تُعتبر تلك الفترة بشكل عام هي واحدة من أشهر فترات الصراعات في تاريخ بريطانيا, و صراع ويليام برين و ويليام لاود الذي لم يحظي بشهرة كبيرة رغم المفارقات العديدة به, و اسم “حرب ويليام” هو اسم غير رسمي فقط أطلقاه نحن علي تلك الواقعة.

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: