فتيل إشتعال حرب استقلال اليونان و لماذا طلبت الدولة العثمانية إنضمام مصر

و بدأت الأزمة بعد شنق بطريرك القسطنطينية (اسطنبول) “غريغوري الخامس” علي يد العثمانيين علي البوابة الرئيسية للبطريركية, ثم تم إلقاء جثته في مضيق البوسفور عام 1821. في عهد السلطان “محمود خان الثاني”.

إعدام غريغوري الخامس
إعدام غريغوري الخامس

و محمود الثاني كان من أفضل السلاطين العثمانيين من الناحية الإقتصادية و شهد عصره عملية إصلاح موسعة و كان يحاول بشتي الطرق النهضة بالدولة العثمانية مرة اخري, و يُعرف في الغرب باسم “بطرس الأكبر التركي” (نسبة للامبراطور الروسي بطرس الاكبر واحد من الافضل في تاريخ روسيا و أوروبا). و التشبيه ببطرس للمقارنة بعملية النهضة الفكرية و الإقتصادية التي قام بها في الدولة العثمانية. و يُذكر لمحمود الثاني القضاء علي هيمنة الإنكشارية (الحرس الخاص للسلطان العثماني) التي كانت تتحكم في الدولة و تسببت في إنتشار الفساد و تفشيه في الحُكم و إدارة الدولة.

السلطان محمود الثاني

و انتشر في تلك الفترة وسط الممالك التابعة للدولة العثمانية, بشكل خاص ذات الأغلبية الغير مسلمة, محاولات الإستقلال عن الدولة العثمانية أكثر من مرة, و كان ذلك طبيعي بسبب الرغبة الدائمة لدي الأغلبية و هو أن يكون “دينه” هو الدين الحاكم في البلاد, و لكن الدولة العثمانية من ناحية آخري كانت متمسكة بكل قوة بتلك المناطق لأسباب عديدة أختلفت مع أختلاف مراحل و تقلبات في أوروبا و في فكر المواطن بشكل عام علي مستوي العالم في رحلة التحول من الوحدة الدينية إلي الوحدة القومية التي بدأت تنقسم شيئاً فشيئاً و هي فطريقها لأن تُصبح حزبية حالياً. و لكن ربما هدأت تلك الأفكار مع الأوضاع الإقتصادية بالعالم و التضاربات فأصبح الجميع يبحث عن السلام دون التفكير في هوية الدولة. طالما يمارس شعائره الدينية بحرية.

و كان تواجد قوة متماسكة يجمعها الدين أكثر من اللغة و الاقتصاد في أوروبا هو أمر خطر بشكل عام, و الدولة العثمانية علي مدار تاريخها الأوروبي تمكنت من تحقيق إنتصارات عديدة علي التحالفات المسيحية التي كانت تدافع هي الآخري عن نشر دينها مقابل نشر الدين الإسلامي داخل الحدود العثمانية, مما أدي إلي أستمرارها في الدعم للدويلات داخل الدولة العثمانية لتستقل مما سيُضعف الدولة العثمانية من ناحية عدد الجيش و الموارد. و من الناحية الآخري بدأت تنهار الدولة العثمانية نفسها مما أدي إلي ضعف قبضتها علي تلك المناطق, و تحولها لتطبيق العنف بشكل مبالغ فيه أحياناً في محاولة أخيرة حتي لا تفقد ملكها الذي سيحولها من دولة بحجم الامبراطورية الروسية و الامبراطورية الرومانية المقدسة, لدولة بحجم المجر مثلاً أو فرنسا.

خريطة الدولة العثمانية عام 1683 كل ماهو لونه أخضر بكل درجاته هو تابع لها و لكن مع أختلاف حكم مباشر أو حُكم غير مباشر

و من أشهر الحوادث العنيفة التي وقعت بتلك الفترة هي حادثة شنق “غريغوري” البطريرك المسكوني للقسطنطينية (اسطنبول), الأمر الذي كان وقود الحريق المشتعل لأجل استقلال اليونان. و  كان “غريغوري” بجانب منصبه المسؤول عن عملية “الإحياء” او إعادة البناء لكاتدرائية “سانت جورج” التي تدمرت بسبب إشتعال النيران.

و في بداية اشتعال حرب الاستقلال اليونانية, لام عليه السلطان العثماني “محمود الثاني” عدم مقدرته علي السيطرة علي الانتفاضة الشعبية اليونانية التي كانت قد بدأت منذ شهرين في فبراير عام 1821, و التي تحولت بعد ذلك لحرب استقلال شرسة. و كان غريغوري حسب ما ذكر لمحمود الثاني, ضد الانتفاضة اليونانية خوفاً من الأزمة التي من الممكن ان تحدث داخل القسطنطينية مع العثمانيين. و لكن بداخل غريغوري بالطبع كان ميوله لتحرير الدولة من الحُكم العثماني, و علي الجانب الآخر كانت الدولة العثمانية ترفض استقلال اليونان مما سيسلب مساحة كبيرة و هامة من الدولة.

غريغوري الخامس
غريغوري الخامس

و أثناء الاسبوع المقدس في عام 1821 تم اخذ غريغوري من قِبل العثمانيون خارج الكاتدرائية, و تم شنقه و تركه لمدة يومان علي البوابة الرئيسية للبطريركية, الأمر الذي أشعل الغضب بشكل كارثي داخل اليونان و ذلك بعد عِلم محمود الثاني أن غريغوري كان من مؤيدي الثورة اليونانية التي كان الأغنياء من التجار و أصحاب النفوذ داخل الدولة اليونانية داعمين لها بالإضافة إلي الدعم الخارجي, و فور إعدام غريغوري كان ذلك سبب كافي للجهات الخارجية لتُعلن دعمها لليونان دون حرج أو خوف لأن إعدام غريغوري كان رسالة واضحة من محمود الثاني أنها تحولت لحرب دينية. ثم بدأ الاجتياح العثماني لسكان اسطنبول من الغير مسلمين و اشتباكات بين السلطات و المؤيدين للانتفاضة اليونانية.

إعدام جريجوري الخامس
إعدام غريغوري الخامس

و بعد شنق البطريرك بتلك الطريقة, كان ذلك إنذار قوي لسكان القسطنطينية و لليونانيين بشكل عام, و للأرثوذكسية الروسية ايضاً, و بدأ يشتعل الغضب في أوروبا ضد الامبراطورية العثمانية و خاصة بعد تلك الخطوة. و كان حادث مقتل غريغوري من أهم الحوافز للانتفاضة اليونانية و المحفز الاساسي لحرب الاستقلال, فبعد انتهاء الانتفاضة و استقلال اليونان يتم ذكر حادث الشنق في “النشيد الوطني اليوناني”.

شنق غريغوري

و عندما وجد السلطان محمود أنه سيُرهق جيشه في إخماد انتفاضات عديدة في مناطق مختلفة, قام بالإرسال لمصر لكي تدعمه في الحرب مقابل أن يعطيهم مناطق في الشام تُصبح ضمن سلطتهم, و كان محمد علي يبحث عن التوسعة لحدود دولته بكل الوسائل, فوافق بالفعل و أرسل جيش إلي اليونان, و كان محمود الثاني يبحث عن ذلك الدعم ليس فقط لإخماد الثورة, بل لكي يضمن أن ينشغل الجيش المصري أيضاً بحرب و في حالة الهزيمة يتأثر الجيش المصري أيضاً بحالة ضعف مثله مثل العثماني, لذلك فخطوة إشراك مصر في الحرب كانت خطة ذكية من وجهة نظره و خبيثة من وجهة النظر المصرية, و تذكر المراجع دائماً محمود الثاني بالدهاء و حسن التخطيط.

و يُقال (و لكن غير مؤكد) ان بعد شنق غريغوري ببضعة ايام برفقة اخرين من الكنيسة تم تسليم جثثهم لليهود, الذين قاموا بجر الجثث في الطرقات و إلقاءها في البحر و يُقال ان ذلك تم بتطوع من اليهود أنفسهم, بناءاً علي طلبهم, مما أدي إلي بداية العنف بين اليهود و المسيحيين في اليونان باعتبارهم متواطئين مع الدولة العثمانية بل و أشنع منها (من وجهة نظرهم). و استطاع بحارة يونانيين العثور علي جثة البطريرك فور إلقاءها في البحر و تم نقلها إلي مدينة اوديسا بأوكرانيا و تم عمل جنازة له و دفنه هناك.

لذلك غريغوري من أشهر الشخصيات في التاريخ اليوناني و يُعامل كرمز من رموز المقاومة في تاريخ الدولة.

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: