“نوبار باشا” أول رئيس وزراء في تاريخ مصر, الشريك الأول في لغز تولي الخديوي إسماعيل الحُكم!

ونوبار هو مصري أرميني وكان أول رئيس وزراء لمصر في عهد “إسماعيل باشا”, وفي شبابه تم إرساله إلى فرنسا للدراسة لذلك أتقن اللغة الفرنسية لاحقاً, وتزوج من ابنة “كيفورك بك” و كان مقرب من خاله “بوغوص بك يوسفيان” الذي كان ناظر للخارجية في عهد “محمد علي باشا”, و بوغوص كان من الأرمن ايضاً و هو أول مسيحي في تاريخ مصر يحصل على لقب البكوية.

نوبار باشا

ولد نوبار في مدينة “سميرنا” (إزمير بتركيا حالياً), وانتقل إلى مصر قبل ان يتم ال18, وبعد سنة ونصف بدأ التدرب كسكرتير لبوغوص بك وكان بوغوص متولي منصبين ناظراً (وزير) للتجارة و الخارجية المصرية (خال نوبار بك), وأصبح نوبار بعد ذلك المساعد (السكرتير) الأول لإبراهيم باشا عام 1845. (إبراهيم باشا هو أكبر ابن لمحمد علي باشا). و ساعده على التقدم في المناصب “كيفورك بك” و الذي كان على علاقة وطيدة بمناصب رفيعة بالعاصمة العثمانية. (كيفورك الذي تزوج نوبار من ابنته).

إبراهيم باشا

و بعد إبراهيم تولي عباس باشا (عباس حلمي الأول) منصب حاكم/والي مصر, وترك نوبار بنفس المنصب ولكنه أرسله لأوروبا, وخاصة إلى لندن في محاولة من عباس باشا لإحباط محاولات تدخل السلطان العثماني في شئون مصر, وكان هناك إتفاقية موقعة بين مصر و الدولة العثمانية لتضمن توريث حُكم مصر لعائلة محمد علي باشا. ثم تم إرسال نوبار لفيينا عاصمة النمسا لإستكمال المهمة و أثناء ما كان هناك توفي “عباس باشا” عام 1854.

عباس باشا (عباس حلمي الأول)

وبعد وفاة “عباس باشا” تولى “محمد سعيد باشا” الحكم وقام بفصل “نوبار” من منصبه على الفور ولكن بعد مرور عامين قام بتعيينه مرة أُخرى بمنصب رئيس المساعدين للحاكم وأسند إليه مهمة في غاية الأهمية في ذلك الوقت وهي تولي خدمات النقل بين مصر والهند. ونتيجة لذلك أصبح لنوبار الدور المحوري الذي يتم ذكره حتى الآن في تطوير شبكة السكة الحديد بين القاهرة والسويس, مع تأسيس إدارة منظمة قوية لتولي عملية تناقل الموارد. ولكن بعد أن أنهى عملية التطوير, قام سعيد باشا للمرة الثانية بإعفائه من منصبه, و أُرسِل نوبار إلى النمسا مرة أُخرى على منصب سكرتير رئيسي لسعيد باشا, وظل في ذلك المنصب حتى وفاة سعيد باشا عام 1863.

سعيد باشا

ليتولى بعد ذلك “إسماعيل باشا” المنصب الذي كان تربطه علاقة صداقة ممتازة مع “نوبار”, ولعبت الصدفة حسب ما يُذكر دور هام في تولي إسماعيل باشا بعد أن اعتذر كلاً من نوبار و إسماعيل عن ركوب قطار في رحلة سفر, ووقع حادث للقطار الذي كان يتم نقله على ناقلة نهرية في منتصف الطريق و غرق مما أدى ادي إلى مقتل الأمير “أحمد رفعت” الذي كان من المفترض ان يتولى المنصب بدلاً من إسماعيل باشا. و لغز وفاة الأمير أحمد هو أمر محير حتى اليوم و لكن يتفق العديد أن هناك حادث مريب.

الأمير أحمد رفعت

و تم إرسال نوبار إلى اسطنبول كإعلان منه للجميع أن “نوبار” سيكون له دور هام في الفترة القادمة, وكان إسماعيل مستعد لما كان يعتبره فترة هامة في تاريخ مصر “وهي حقيقة” فكان متحمس لإنهاء مشروع قناة السويس وقام بتغيير لقب الحاكم إلى “خديوي” ليصبح “الخديوي إسماعيل”.

بداية تشغيل قناة السويس

وكانت بداية إسماعيل قوية وناجحة, وكان يشكك السلطان العثماني في مشروع قناة السويس وفي نجاحه حيث كان يعتبره مجرد حلم يصعب تحقيقه على عكس الخديوي إسماعيل الذي كان مؤمن بأهمية المشروع وبإمكانية نجاحه. و قام بإنفاق الكثير من أموال الدولة على إتمامه و إفتتاحه و التجهيز لحفل الإفتتاح الذي شمل عدة أمور فرعية أيضاً من ضمنها بناء طرق جديدة و دار أوبرا.

حفل افتتاح قناة السويس

ثم منح الخديوي إسماعيل “نوبار” البشوية, الأمر الذي أغضب السلطان العثماني لأنه لقب نادراً ما كان يتم منحه لشخص “غير مسلم”. وتم إرسال نوبار إلى باريس ليحل الخلاف بين مصر وشركة القناة ليُنهي المشروع, وتم الإتفاق على أن المشروع سيكلف مصر 4 مليون جنيه أسترليني, ما كان يقول عنه اسماعيل باشا “فترة حماس مكلفة”. وبعد عودة نوبار عينه إسماعيل أول رئيس وزراء لمصر. ولكن عام 1866 تم نقله ليصبح وزير خارجية وإرساله إلى إسطنبول مرة أُخرى لينهي بعض الإتفاقيات مع الدولة العثمانية.

نوبار باشا

ولكن الإدارة المسرفة للبلاد من قِبل الخديوي إسماعيل أدت لوصول مصر إلى حافة الإفلاس, وعدم إهتمام اسماعيل بالحكومة أدى لصراع بين بريطانيا وفرنسا في النهاية, و حاول إسماعيل أن يتخلص من بريطانيا و بدأ يميل للمشروعات مع فرنسا أكثر, الأمر الذي أدى لقيام بريطانيا بلعبة سياسية بفضح حقيقة الوضع المالي لمصر مما أسقط أسهم إسماعيل و إنهارت سمعة مصر مالياً على المستوي المحلي و الدولي.

الخديوي إسماعيل

 وبعد الضغط  من كل الجهات من ضمنها الدولة العثمانية نفسها اضطر إسماعيل أن يقوم بتشكيل وزراة مؤلفة من جنسيات مختلفة فتم تعين “تشارلز ويلسون” البريطاني وزير مالية و “ماركيز بلينير” الفرنسي وزير الاشغال العامة, و وسط كل ذلك وجد نوبار نفسه مدعوم من بريطانيا وفرنسا, مما أعطاه ثقة أكبر وبدأ في محاولات التقليل من صلاحيات الحاكم ليصبح حاكم دستوري فقط رغم كل ما فعله إسماعيل من أجله.

ولكن تفاجأ نوبار بوقوف بريطانيا وفرنسا في صف الخديوي, و تم فصله من منصبه و لاحقاً تم إستبدال الخديوي اسماعيل نفسه بابنه الخديوي توفيق, و ظل نوبار بعيد عن السياسة حتى عام 1884.

الخديوي توفيق

وبعد تدخل بريطانيا وقعت معركة “التل الكبير” الشهيرة بين مصر وبريطانيا بقيادة “عرابي باشا” عام 1882, التي كانت تهدف للتخلص من عرابي و إسقاط أعداء بريطانيا من أصحاب المناصب, وإنتهت بنفي عرابي, وتولى السير “إدوارد بالدوين ماليت” مهام الحكومة البريطانية في مصر, الذي صمم على إخلاء الجيش و السلطة المصرية للسودان وتم جلب “نوبار” مرة أُخرى لتولي منصب رئيس الوزراء ولكن كانت بريطانيا قد فرضت سيطرتها, فقال نوبار عن تلك الفترة

“أنا لست هنا لأتولي حكومة مصر ولكني فقط أدير الحكومة البريطانية بمصر”

وقام الخديوي توفيق بعزله من منصبه عام 1888.

وبعد تولي رياض باشا منصب رئيس الوزراء كان “اللورد كرومر” الانجليزي قد فرض سيطرة كاملة على الحكومة و على مصر وكان يعتبر اللورد كرومر حاكم مصر بشكل مباشر و لكن غير مُعلن وزاد ذلك بعد وفاة الخديوي توفيق. و يُذكر أن بعض المراجع تلمح لأن رياض ليس اسمه الحقيقي و لكن اسمه الحقيقي “يعقوب” و أنه يهودي الديانة, لكن هذه المعلومة غير مؤكدة, و لكن للعلم تم تعيين رياض لاحقاً عام 1911 رئيس للمؤتمر الإسلامي لمصري.

رياض باشا

وفي عام 1895 كان قد أتم نوبار 50 سنة في الخدمة فقام بتقديم طلب معاش وقضى آخر سنواته بين مصر وفرنسا وتوفى بعد ذلك بثلاث سنوات في “نوباراشين” بأرمينيا التي تم تسميتها بذلك الاسم نسبة لاسمه. وتم تسمية “النوبارية الجديدة” بمصر نسبة لاسمه أيضاً.

ومن مساوئ نوبار المتفق عليها, و هي كثيرة, و لكن ربما أسوأ أعماله هي الحصول علي عمولات من خلال عقود القروض لمصر, كما كان يفضل دائماً تعيين الأجانب و أضف إلى ذلك سياسة كبت حرية الصحافة المصرية التي أنتهت بإلغاء العديد من الصحف المناهضة للإحتلال.

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: