أزمة لاجراند 1999 التي فضحت حقيقة إختلاف بنود معاهدة دولية بين لغة و آخري

واحدة من أشهر النزاعات القضائية في التاريخ, ألمانيا تتوسل لولاية أمريكية أن توقف حُكم إعدام بحق أثنان ألمان. “فضيحة لاجراند”, التي أدت لإندلاع فضيحة إختلاف بنود معاهدة دولية بين نسخة بلغة و نسخة بلغة آخري!

كارل علي اليمين و والتر علي اليسار

الأخوان “كارل هاينز و والتر برنهارد” لاجراند الشهيران بالأخوان “لاجراند” هم ألمان ولدوا لأم ألمانية في ألمانيا, ثم انتقلوا للمعيشة في أمريكا منذ أن كانوا بعمر ال 4 و ال 5 سنوات, وفي عام 1982 قام الأخان بمداهمة بنك في ولاية أريزونا بأمريكا في محاولة سرقة مسلحة, و أدي الهجوم إلي قتل رجل و إصابة أمرأة إصابات بالغة, ولكن تم القبض عليهما و كانوا بصدد مواجهة حكم “الاعدام” عام 1999.

مارانا بأريزونا حيث وقع الحادث

و بالرغم من بقائهما بأمريكا لسنوات عديدة لم يحصلا علي الجنسية الأمريكية, وكانا يحملان الجنسية الألمانية. ولكن لم تمنحهم ولاية أريزونا حق المساعدة من القنصلية “بحجة عدم علمها بحقيقة كونهم غير أمريكيين”, ولكن حسب ما تنص “إتفاقية فيينا” يجب منحهما ذلك الحق بالتواصل مع قنصلية دولتهم, وبعد معرفة “لاجراند” بحقوقهم قاما بالفعل بالتواصل مع القنصلية الألمانية ثم تقديم طعن بحجة أنه لم يتم إملاء حقوقهم عليهم بإمكانية التواصل مع القنصلية.

اتفاقية فيينا

ولكن رفضت المحكمة بأمريكا ذلك الطعن, فحسب القانون الأمريكي (النظام المتبع), لا يمكن تحويل قضية إلي قضية فيدرالية ما دامت لم يتم إثارتها في محكمة الدولة. و كانت القضية آنذاك علي مستوي الولاية. و بدأت ألمانيا تبذل جهود دبلوماسية لمحاولة إقناع ولاية أريزونا أن تعدل عن قرار الإعدام, وتدخل بالأمر السفير الألماني بأمريكا و عضو من أعضاء البرلمان الألماني, ولكن رفضت حاكمة أريزونا “جين دي هال”وأصرت علي ان يتم تنفيذ “حكم الإعدام”.

السفير الألماني يورجن شروبوج

وفي يوم 24 فبراير عام 1999 تم بالفعل إعدام “كارل لاجراند بالحقنة المميتة”, ولكن حاولت ألمانيا بشتي الطرق أن توقف حكم الإعدام الاخر, وطلبت تأجيله وبالفعل نجحت بذلك بعد أن منحتها المحكمة الموافقة بتأجيل الحكم الصادر ضد الأخ الثاني “والتر”, وحاولت ألمانيا أن تضغط لكي يتم إلغاء الحكم من قِبل المحكمة العليا بأمريكا, وقدمت قضية ضد ولاية أريزونا, ولكن رفضت المحكمة العليا ذلك استناداً لمادة قانونية تمنع أن تقوم أي محكمة فيدرالية بسماع قضية من دولة أجنبية ضد ولاية أمريكية. وتم بالفعل تنفيذ حكم الإعدام بحق الاخر والتر يوم 3 مارس عام 1999 بالغاز السام وهو آخر شخص تم إعدامه في تاريخ أمريكا بتلك الطريقة.

كارل لاجراند

ولم تتوقف ألمانيا عند ذلك فقط فأخذت الأمر إلي المحكمة الدولية في لاهاي بهولندا عام 2001, وتم صدور حكم المحكمة الدولية وهو أغرب حالة تم عرضها علي المحكمة الدولية, فبعد أن قامت بعرض إتفاقية “فيينا” وجدت مصادفة عجيبة, فبموجب النسخة الإنجليزية من قانون المحكمة الدولية بخصوص ذلك الشأن وجد أن امريكا غير ملزمة بإتباع إتفاقية فيينا بخصوص تلك القضية, وعلي العكس النسخة الفرنسية تلزمهم. وكانت تلك أول مرة في تاريخ المحكمة الدولية تقوم بإصدار حكم بذلك الشكل.

المحكمة الدولية

إلا أن المحكمة في النهاية قررت أن أمريكا قد خرقت إتفاقية “فيينا”, ولكن أوضحت ايضاً أن حكم المحكمة سوف يكون متعلق بخصوص خرق الإتفاقية ام لا ولكنها لن تصدر حكم علي “إعدام المتهمين” نفسه. الأمر الذي حما الولاية الأمريكية في النهاية.

و نتمني أن نتعلم من ذلك الأمر شيئاً فلم تفقد أمريكا وألمانيا علاقاتهما بعد ذلك الحدث الذي مر عليه سنوات طويلة, تنفيذ العدل وتطبيق القانون لا يجلب المشاكل ولكنه يفرض شخصيتك و إحترام الغير لك. فقد وقفت دولتان من أقوي دول العالم عاجزين تماماً أمام محكمة في ولاية رفضت حاكمتها أن تحول القضية للمحكمة الفيدرالية بموجب الحق الدستوري الممنوح لها و أحترمت الدولة ذلك لحق المواطنين و الضحايا.

كما أنه موقف يُحترم من حاكمة ولاية أريزونا, فما الفائدة من الحفاظ علي العلاقات بالدول الخارجية ما دام المواطن بالداخل لا يحصل علي حقه!

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: