خير الدين بربروس: الجزء الثاني: الإخوة بربروس يستمروا في عمليات الزحف, و لماذا يدين العالم الإسلامي بالفضل للإخوة بربروس

و كما أنهينا بالجزء الماضي, أثناء معارك عروج و خيرالدين بإصابة و بتر ذراع عروج…

و بعد الإنتهاء من العمليات الجراحية لعروج و إتمام شفاءه, كان في تلك الفترة, عام 1515, الأندلس قد سقطت..الأمر الذي حول حياة المسلمين داخلها إلي جحيم, حيث ذكر خيرالدين في مذكراته أن المسلمون آنذاك كانوا يقوموا ببناء المساجد تحت الأرض ليتمكنوا من ممارسة شعائرهم الدينية, و في تلك الهجمة تمكن الاخوة بربروس من إنقاذ عدد كبير جداً من المسلمين و العودة بهم علي متن سفن إلي الجزائر و تونس, و بعد إنهاء النقل أعترضوا سفن بضائع هولندية تمكنوا من السيطرة عليها و أخذ ما عليها الأمر الذي أنتشر في جميع أنحاء العالم و جعلهم ضمن أخطر البحارة في العالم آنذاك.

تعميد المسلمين إجبارياً في إسبانيا بعد سقوط الأندلس

أتجه بعد ذلك الاخوين إلي مسقط رأسهم “جزيرة ميديللي” في اليونان حالياً, و أثناء تواجدهم هناك توافد العديد من البحارة طالبين الإنضمام ضمن طاقمهم لما حظوا به من شهرة, أنطلقوا بعد ذلك من الجزيرة و أستمرت عمليات الإستيلاء علي السفن المارة المحملة بالعديد من الخيرات و الأموال ثم أتجهوا نحو تونس و قاموا بضخ تلك البضائع في السوق أيضاً.

و في تلك الفترة, رغم هروب عروج و خير الدين من حدود الدولة العثمانية بعد أن أعتلي سليم منصب السلطان (و قتله لأخيه قورقود), حيث كان عروج علي علاقة وطيدة بقورقود و كان يقوم سليم بتصفية كل من كان قريب من أخيه, و لكن ذاع صيت سليم لاحقاً بإعتباره من مراكز القوي الإسلامية في العالم (رغم الخلاف الحاد علي أفعاله), و كذلك خير الدين و عروج, فقام الأخوة عروج بإرسال وسيط محمل برسالة و هدايا للسلطان سليم الأول, و عندما علِم أنه من طرفهم استقبله استقبال حافل بل و أرسل معه سفينتين حربيتين محملة بالأسلحة واحدة لكل منهما… و كان ذلك بالنسبة لهما عكس المتوقع تماماً. أما بالنسبة لسليم فكان جميع الحكام المسلمين علي عِلم بما يفعله الأخوين في الأندلس لذلك كان يكن لهما الجميع الإحترام.

قورقود

و تلاقي الوسيط بالسفن مع عروج و خير الدين عند مضيق جبل طارق حيث كانوا قد أستعدوا لبدء هجمة علي الأندلس مرة آخري بغرض نقل المزيد من المسلمين منها إلي الجزائر و تونس, و بعد عودتهم كان قد أرسل السلطان سليم الأول العثماني لسلطان تونس “الحفصي محمد المتوكل” رسالة يخطره فيها عن ضرورة حسن معاملة خير الدين و عروج, ففور أن رآهم سلطان تونس أخبرهم أنه متأكد بأن السلطان العثماني سيضعهم علي قيادة البحرية العثمانية قريباً.

الحفصي محمد المتوكل

و تحرك الأخوة بعد ذلك بهجمة جديدة تمكنوا خلالها من جيجل بالجزائر, و كان ذلك أول فتح علي يد الأخوة لأراضي عربية أمتلكها الغرب, و من هناك بدأ تأسيس جيش بقيادة عروج بعد أن ألتف حوله رجال الدين و الشعب و بدأت تتوافد الأفواج عليه لتشترك في جيشه أو تطالبه بأن يأتي لتحريرهم, و بالفعل بدأ الاستعداد لذلك, إلا أن المحاولات لم تكن ناجحة في البداية.

صورة للجزائر في وقت قريب من الأحداث

و لكن أهم تلك الهجمات كانت تلك علي مدينة الجزائر, حيث قام عروج و خير الدين بتشكيل هجمة هامة في محاولة لتحرير مدينة الجزائر من الاحتلال الاسباني… بشكل خاص بعد أن لجأ سكانها إليهم يطلبون النجدة من الاحتلال الذي يفرض الضرائب و يضيق عليهم المعيشة, و في تلك الفترة بعد وصول المساندات من تونس أيقن خير الدين أن حاكم تونس لم يقوم بشحنها بالأسلحة اللازمة الأمر الذي جعله يشعر بأنه من الممكن أن يغدر بهم, و كان ذلك حقيقي, و لكن ليس لأنه خائن بل كان يخشي من أن تقوم الدولة العثمانية بإستغلال قوة الإخوة البحرية و تقوم بضم تونس لملكها, و عندما وصل خير الدين تونس أظهر السلطان التونسي الدعم خوفاً منه, و يذكر خير الدين في مذكراته أنه تقبل ذلك الأمر و جعل السلطان يشعر و كأنه لم يكن يدرك أنه سيقوم بالغدر.

سليم الأول

و للتوضيح, كان السبب الرئيسي لخشية أغلب حكام المناطق العربية المسلمة من الدولة العثمانية في فترة سليم الأول هو رغبة سليم في ضم جميع الأراضي المسلمة تحت راية حُكم واحدة و تكون تابعة له حتي و إن ظل الحاكم في منصبه حيث بدأ بالأماكن الإسلامية المقدسة أولاً ثم أنتقل لكل ما يُحيط بها و يتحدث العربية أو تحت راية إسلامية مما تسبب لاحقاً في دخوله في عدة معارك شرسة أشهرها تلك في مصر بالطبع.. و ذلك للتوضيح و ليس للدفاع أو للهجوم.

و في تلك الأثناء كان عروج قد بدأ بالتحرك و أمن نفسه بفتح مدينة شرشال في حالة فشل الهجمة سيتمكن من العودة إليها, و بعد دخول الجزائر رغم إستقبال سكان المدينة لهم في البداية, إلا أن معاملة البحارة التابعين لعروج مع السكان جعلت السكان تنقلب عليهم و تلجأ للسلطان و يطلبوا منه أن يقوم بطردهم, فقام السلطان بطلب التعاون من الإسبان مما أغضب عروج فقتله و أعلن نفسه حاكماً علي الجزائر و قام بقصف الإسبان وطردهم بعد أكثر من معركة, و أستمر عروج بدخول مدن أخري و التمكن منها, و كان يستهدف الاخوة بربروس دائماً التمكن من المدن التي قام حكامها بالتعاون مع الاحتلال و الموافقة علي الحفاظ علي السلطة مقابل أن يظل تابع للإسبان (الإمبراطورية الرومانية المقدسة), و في الغالب ثأر عروج بذلك الشكل كان بسبب تأثر العرب الشديد في تلك الفترة بسقوط الأندلس قبل بضعة سنوات… و تمكن عروج من الجزائر بين عامي 1516- 1517.

عروج

و في نفس العام, في مملكة تلمسان, أحد أهم الممالك التابعة للإسبان في منطقة الجزائر, قامت ثورة شعبية ضخمة فأضطر السلطان أن يهرب منها, و أرسل السكان إلي عروج يطالبونه بأن يضم المملكة لملكه, فوافق, و فور أن وصلت الأنباء إلي إسبانيا أرسلت حملة ضخمة لمساعدة السلطان المخلوع ليعود إلي منصبه لولاءه لهم, و سقط عروج قتيل في تلك المعركة عام 1518, و بذلك ينتهي دور عروج في حياة خير الدين و في حياة مسلمين الأندلس… و تنتهي معه صفحة كبيرة من العطاء في تاريخ المسلمين… ليبدأ خير الدين منفرداً في قيادة مرحلة صعبة للغاية و حاسمة للتواجد الإسلامي في تلك الفترة.


العودة للجزء الأول


الجزء الثالث


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

لا تعليقات بعد على “خير الدين بربروس: الجزء الثاني: الإخوة بربروس يستمروا في عمليات الزحف, و لماذا يدين العالم الإسلامي بالفضل للإخوة بربروس

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: