هل هي النزاهة أم الفساد قضية الأدميرال و عضو البرلمان الإنجليزي “جون بينج” الذي تم إعدامه رمياً بالرصاص بسبب فشله في مهمة بحرية بمعركة بعد 39 عاماً كاملة قضاها في خدمة الأسطول الإنجليزي!

حيث تم إعدام الادميرال البريطاني “جون بينج” رمياً بالرصاص علي متن السفينة الملكية بسبب فشله في مهمة بحرية بمعركة في “حرب السبع سنوات” عام 1757.

و “جون بينج” هو إبن “جورج بينج” أدميرال سابق أيضاً في البحرية, و كان جورج من أهم الداعمين للملك “ويليام الثالث” الذي وصل للعرش, مما جعله من أهم رجال الملك في الدولة و تدرج في المناصب حتي وصل لمنصب أدميرال, و قد سار جون خلف أبيه حيث انضم للبحرية و هو بعمر ال 13, و أشترك في أول معركة له و هو بعمر ال 14, و استمر في العمل بالبحرية لمدة 39 عام أشتهر خلالهم و أصبح ضابط بحري مرموق في بريطانيا و بدأ يتدرج في المناصب الوظيفية و هو في سن صغير, حتي أصبح مساعد أدميرال و تولي منصب حاكم مستعمرة “نيوفاوندلاند” عام 1747, ثم أصبح أدميرال و عضو في برلمان “روتشستر” الانجليزي أيضاً عام 1751 و حتي وفاته.

الادميرال جون بينج

و بداية الأزمة تعود إلي حرب الخلافة الإسبانية, حينما تمكنت بريطانيا أثناء تلك الحرب من السيطرة علي “جزيرة منورقة” التي كانت تتبع إسبانيا عام 1708 ( و هي حالياً تتبع إسبانيا), و مع إقتراب أوروبا علي خوض حرب السبع سنوات, تمكن الأسطول الفرنسي من غزو الجزيرة عام 1756. ثم بدأت الحرب.

و في تلك الفترة كان بينج يخدم في القناة الإنجليزية (المانش) و لكن الأوامر غيرت الأمور عندما تم إعطاءه أمر بأن ينتقل بأسطوله إلي منورقة لكي يكسر الحصار العنيف القائم علي الحصن الإنجليزي بالجزيرة, إلا أن بينج رفض و أعترض بشدة لأن أسطوله في حالة سيئة و المال و الوقت المتوفر له لإعداد أسطوله غير كافي مما سيعرض الأسطول للدمار, فوافقت الحكومة و منحته بضعة أيام تمكن خلالهم من جمع الجنود و ترتيب أموره و إعداد أسطوله, ثم بدأ بالإتجاه نحو منورقة رغم إستمرار أعتراضه بأن أسطوله غير كافي…

الحصن الإنجليزي في منورقة

و كان الأسطول الذي يقوده في تلك المهمة متهالك و حالة السفن كانت سيئة, و لكنه قرر في النهاية أن ينطلق نحو الجزيرة مع إتخاذ قرار داخلي أنه لو شعر في بداية الإلتحام أنه سيتعرض لهزيمة شديدة سينسحب, و لكنه حاول أن يتفادي ذلك عندما توقف أثناء رحلته بجبل طارق و طلب من حاكمها أن يمده بالجنود و لكنه رفض, فأدرك أن النتائج ستكون كارثية.

و أنطلق بينج نحو منورقة و لكنه وجد أن القوات الفرنسية قد أنتشرت علي الجزيرة و علي إستعداد لمواجهته, فحاول أن يهجم علي جناح الأسطول حتي يقلل عدد السفن المواجهة من العدو و لكن رغم ذلك بدأ القصف الذي تسبب بضرر للسفن الإنجليزية في المقدمة و وصل للسفينة التي يقف علي متنها أيضاً و تحول المر إلي كارثة. فأدرك بينج أنه لن يتمكن من الإستمرار في المعركة… رغم التأكيد علي توافر فرصة اختراق أسطول العدو من القلب, إلا أنه قرر أن يعدل عن تلك المجازفة.

معركة منورقة

و علي اثر ذلك لم يلتزم بالمهمة المكلف بها و هي تخفيف الحصار علي الجيش الانجليزي ب”منورقة” و بعد 4 أيام من الإنتظار في البحر دون أي ألتحام آخر أجتمع بينج بمساعديه و قرروا أن الأفضل العودة لجبل طارق لإصلاح الأسطول و محاولة إعادة إعداده بعد فقدان 43 بحار بريطاني قتيل و أكثر من مائة مصاب. و بالفعل أقتنع بينج أن فرنسا تمكنت من الجزيرة و انسحب إلي جبل طارق.

و لكن أثناء تواجده في جبل طارق منح الفرنسيين المقاومة الإنجليزية علي الجزيرة فرصة الخروج الآمن مقابل الإستسلام و إتجهوا نحو إنجلترا, و أثناء تواجد بينج في جبل طارق يُصلح سفنه وصلت سفينة إليه برسالة, أن يعود إلي إنجلترا و لا يبحر للجزيرة “منورقة”…

و فور وصوله بريطانيا تم تحويله للمحاكمة و إدانته بتهمة “عدم القيام بأقصي ما يُمكن” لمنع سقوط منورقة بيد الفرنسيين. و كان ذلك البند في قانون الحرب بإنجلترا قد تم إدراجه حديثاً و يرجع ذلك لحادثة في عام 1745 في “حرب الخلافة النمساوية” حين تم إدانة الملازم “بيكر فيليبس” بنفس التهمة سابقاً, عندما كانت السفينة التي علي متنها الملازم قد تم الهجوم عليها نظراً لسوء تجهيز السفينة للحرب من قبل قبطان السفينة, ولكن بعد الهجوم علي السفينة قُتل القبطان, ولم يجد الملازم الصغير مع قلة الخبرة أي حل سوي الاستسلام فتم الحكم عليه بعدم “القيام بأقصي ما يُمكن” لمقاومة العدو و حُكم عليه بالإعدام و تم تنفيذ الحكم رمياً بالرصاص, الأمر الذي أشعل الغضب بالعامة و البرلمان بحجة أن الحكم تم تنفيذه نظراً لأن “فيليبس” لم يكن برتبة أعلي. و لتهدئة الغضب تم تعديل القانون عام 1756 ليصبح للجميع أنه في حالة إدانة أي رتبة بنفس التهمة سيتم صدور حكم الإعدام ضده.

و رغم مسيرة  بينج الضخمة و مركزه المرموق أضطرت المحكمة البريطانية تنفيذ الحكم ضده نظراً للقانون المعدل في العام السابق مباشرة. وفشلت جميع المحاولات لمنع تنفيذ الحُكم لتُنهي المحكمة الأمر بعد أن أصدرت حكمها و بشكل خاص بعد ذكر “أن بينج كان يقف بسفنه بعيد عن الأسطول الفرنسي مما أضعف من تأثير قصف السفن الإنجليزية علي العدو” و بتلك الجملة تم تثبيت تهمة “عدم القيام بأقصي ما يُمكن”.

و حاول العديد إقناع الملك بالتدخل لكي يُصدر “مرسوم عفو” و لكن القضية المشابهة لم يمر عليها سوي عام واحد و كان من الصعب القيام بأمر مماثل حتي لا يُشعل الغضب في الطبقة المتوسطة و الفقيرة من الشعب و البحارة, كما واجه ذلك الطلب رفض شديد من أعضاء البرلمان و أصروا علي أن تتم العدالة و يصبح الجميع سواء أمام القانون.

و لكن الأزمة أن في تلك الفترة كان العداء قد أشتد بين رئيس الوزراء و الملك نفسه, و يعتبر الأغلبية أن الحكومة كانت تريد تنفيذ الحكم بأي وسيلة لكي تهرب من توجيه أصابع الإتهام إليها بعدم الإهتمام بدعم الجيش من أجل تنفيذ المهمة بنجاح و أعتبروا التخلص من بينج هو قارب النجاة من الضغوط و الإتهام بالتقصير…

إعدام بينج
Credits: National Maritime Museum – Greenwich – London

و بالفعل في يوم 14 مارس عام 1757 تم إعدام الأدميرال جون بينج علي متن احدي السفن الإنجليزية الملكية رمياً بالرصاص… و اختلف البعض حول حقيقة ذلك الحُكم هل هو فساد الحكومة للتخلص من التهمة بإعدامه أم أنها العدالة من أجل ضمان أن الجميع سواء أمام القانون…

شاركنا برأيك.. هل تري أن إعدام بينج كان عدالة أم فساد؟

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: