الجزء الثاني: أسباب إندلاع المذابح ضد المسيحيين بذلك الشكل و كيف توقفت في النهاية؟, و لماذا يستمر البحث عن علاقة اليهود بالأمر؟

و كما ذكرنا بالجزء الماضي بعد أن توقفت عملية التعذيب و التصفية للمسيحيين بشكل مؤقت لسنوات.. لم تدم السعادة طويلاً حتي بدأت واحدة من أسوأ الفترات في تاريخ المسيحية بالدولة الرومانية بصعود “ديوكلتيانوس” للحُكم الذي كان يشاركه أيضاً “ماكسيميانوس”, و عاد كلاً منهما للإيمان بديانات قديمة “الأولمبيون الإثنا عشر” حيث أتخذ كلاً منهما واحد من الآلهة و أعلن أنه ممثله في الأرض و ذلك استغلالاً للجهل المنتشر بالدولة آنذاك مما ساعد علي زيادة شعبية الأباطرة, و لكن وضع ذلك المسيحيين في موقف حرج بسبب رفضهم الإنصياع للاحتفالات الدينية التابعة لذلك الفصيل و التي تتبع تلك الشخصيات الوهمية المتخذة كآلهة. فأصبح العداء مع المسيحيين عداء واضح.

و رغم توجه الدولة الرومانية تجاه الأديان السماوية, إلا أن اليهود كان لهم وضع خاص في عهد ديوكلتيانوس, و لا يوجد أسباب حاسمة و واضحة لذلك إلا أن هناك بعض النقاط تستحق أن تقف عندها و بشكل خاص من داخل قصر الامبراطور, فداخل القصر تم العثور علي عدة أعمال نحتية بحوائط القصر تشير إلي الديانة اليهودية, كما كان القصر ملئ باليهود من العاملين بداخله و المفاجأة الأكبر هو التأكيد بالعثور كنيس يهودي في أحدي القصور الرومانية أيضاً تحت الأرض داخل القصر!

قصر ديوكلتيانوس

مما يوضح أن في الغالب اضطهاد المسيحيين في عهد الدولة الرومانية له علاقة بالعداء الديني بينهم وبين اليهود و يوضح أن اتجاه الدولة الرومانية لم يكن معادياً أبداً لليهود في عهد ديوكلتيانوس!

و مع بداية عدة حروب بالدولة الرومانية بدأ ديوكلتيانوس يتنقل و يركتب مجازر في مختلف المناطق, و لكن البداية الحقيقية لعمليات مذابح بشكل مكثف ظهرت في مطلع عام 303 في مايقع داخل الأناضول حالياً, و بالفعل في شهر فبراير اصدر ديوكلتيانوس مرسوم ضد المسيحية بشكل رسمي و علني ما يُعتبر بداية ما أُطلق عليه “محاولات إنهاء المسيحية”. لتبدأ عمليات هدم و مداهمة للكنائس و اعتقال رموز من الدين بالدولة مع حرق جميع المخطوطات و الكتب التي يُمكن العثور عليها. و سقطت العديد من الأرواح بسبب الأخير بعد رفض العديد تسليم الوثائق أو الكتب.

مجازر ديوكلتيانوس

و لكن ديوكلتيانوس كان يُحاول محو المسيحية دون إراقة العديد من الدماء, فقط لمن يرفض الإنصياع أو إتباع بعض المناسك التابعة لدين الدولة, و لكن “غاليريوس” الذي كان متولي منصب قيصر روما (و لكن برتبة أقل من ديوكلتيانوس و شريكه في الحُكم و زوج إبنته) كان يريد أن يسفك الدماء في تلك العملية, فبدأ غاليريوس بترسيخ معتقد العقوبة ب “الحرق حياً” و تُعتبر بداية إنتشار تلك العقوبة بذلك الشكل عند أي إتهام بالكفر…

غاليريوس

و بحلول عام 303 مع إستمرار عمليات القتل و الإعدام بحرق أي شخص معترض علي تقديم التضحية للآلهة من المسيحيين يتم إعدامه علي الفور “حرقاً و هو حي”, و بدأ ديوكلتيانوس بإعداد السجون و تطويرها لكي تستوعب الأعداد الجديدة, و لتكن ملائمة أكثر لطبيعة المساجين الجديدة التي غلبت عليها رجال الدين و المعلمين, و لكن سرعان ما أصدر مرسوم يفيد بالإفراج عن رجال الدين و لكن علي شرط ان يوافقوا علي تقديم التضحية للآلهة. و يُعتقد أن ذلك كان طلب يراد به ضرب المفاهيم و التشكيك بين المسيحيين و رجال الدين, و أعطي أوامر أنه في حالة رفض أي رجل دين القيام بذلك يتم إعدامه. و نتيجة عدم الاستجابة من أغلبهم قام بالافراج عن البعض مدعياً أنهم قاموا بتقديم التضحية و يُعتقد أنهم لم يقوموا بذلك و أنه إفتراء من أجل شرخ الثقة بين المسيحيين و رجال الدين.

لوحة الصلاة الأخيرة الشهيرة

و أستمرت المذابح بشكل مفجع و بأساليب مختلفة و كان يشمل ذلك أحياناً إلقاء المسيحيين داخل “سيركوس ماكسيموس” (السيرك العظيم) و إطلاق حيوانات شرسة عليهم ليقوموا بإلتهامهم بعد مطاردة من أجل إرهاب الآخرين من رفض تطبيق سياسات الدولة و ترك الدين المسيحي.

واستمر الاضطهاد الذي شمل عمليات تعذيب واعدام حتي عام 312 عندما تمكن “قسطنطين الأول” من الحُكم منفرداً منهياً الحُكم المشترك في الإمبراطورية الرومانية و أوقف عمليات الإضطهاد للمسيحية واعطي الكنيسة مرتبة عالية بالدولة كون الدين المسيحي الدين المفضل لديه. ثم تحول بعد ذلك للمسيحية ليُصبح أول إمبراطور مسيحي و بدأ حُقبة مختلفة تماماً لتبدأ رسمياً الدولة البيزنطية لاحقاً…

العودة للجزء الأول: بداية ظهور المسيحية و كيف تعاملت الامبراطورية الرومانية مع الدين في البداية

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: