لماذا كان يرتدي الأطباء زي يُشبه الطيور أثناء إندلاع الوباء في القرن ال18! و مرور سريع علي بعض الألغاز التي تتشابه مع الوضع الحالي

و كان القرن ال18 أحد أصعب القرون التي مرت علي العالم في الأوبئة حيث ضرب الطاعون العالم و بشكل خاص أوروبا 3 مرات علي مدار 300 عام, و كان في كل مرة يُسقط مئات الملايين قتلي, و من شدة المرض وصل العالم آنذاك لإعتقاد أن الطاعون لن يتم العثور علي شفاء أو علاج له أبداً…

و كان أعراض الطاعون للاسف مؤلمة للغاية فكان أحياناً يتغير لون الجسد و تتضخم الغدد و يبدأ نزيف من الفم و الأنف, كان الطاعون و مازال في المقارنة من أشد ما عرف العالم من أوبئة… و قبل أن يشهد العالم التطور الحالي, الذي أتضح أنه غير كافي علي الإطلاق, كان الأطباء آنذاك غير قادرين علي مواكبة الطاعون بسبب شدته, و يعود ذلك بشكل خاص لعدم إلمام العِلم بما يكفي بجزئية الباكتيريا و الجراثيم.

و لم يقتصر عدم مقدرة الأطباء علي تشخيص الحالات فقط بل ما كان أخطر هو عدم وجود معدات و سُبل وقاية كافية لحماية الأطباء أثناء مواجهة المرض, رغم إصابة المرض لأجيال مختلفة بتباعد زمني و لكن في كل مرة كان ينهار الطب أمامه, مما أدي لبداية إختلاق روايات أغلبها غير صحيحة عن طُرق الوقاية من الوباء و كانت الخرافات لها دور في ذلك أيضاً!

و رغم ذلك تغير شأن الأطباء في العالم و بشكل خاص المتخصصين في معالجة هذا الوباء, و كما ذكرنا رغم عدم مقدرتهم علي إستيعابه و مواكبته و فشل إحتواء الأزمة و الإنخفاض الكارثي في نسب الشفاء مقابل الإصابة. كان يواجه الأطباء خطر إنتقال العدوي و الوفاة.

و تحولت مهنة الطب آنذاك لمهنة متعددة, فكان الطبيب من ضمن ما يشرف عليه بإستثناء علاج المريض هو تسجيل وصية المريض أحياناً و توثيق الكلمات الأخيرة لهم و تجهيز بعض المستندات الهامة مثل الإحصائات و خلافه للوباء.. و أصبحت مهنة الطب في تلك الفترة أهم و أصعب مهنة في العالم و بدأت الدول تتصارع علي الأطباء المتخصصين الذين كانوا في حالة إنتقال دائم في مختلف دول العالم.

و لم يقف الأمر عند ذلك فحسب بل أصبحت مهنة الطب مهنة مذلة, فبدأ الجميع يبتعد عن الأطباء و يمتنع عن الإختلاط بهم و أصبح الأطباء في حالة حجر تامة كاملة طوال حياتهم بسبب خشية الناس من إنتقال العدوي منهم, و لكن في نهاية الأمر بعد أن يتعرض أحدهم للإصابة يضطر أن يلجأ للطبيب علي الفور علي أمل أن يتمكن من شفاءه.. و ما أشبه الليلة بالبارحة.

و حسب ما يعكس التاريخ فكل جيل تقريباً قد نال حصته من الأوبئة, حيث ظل الوباء يضرب العالم كل 100 عام تقريباً منذ القرن ال 14, و في كل مرة كانت أوروبا صاحبة الحصة الأكبر من الوفيات, فمن ضمن الأوبئة التي ضربت أوروبا أدت لسقوط ما يقرب ل 60% من سكانها ضحايا للمرض و كان ذلك منذ أكثر من 600 عام من الآن.

أما بداية ظهور الزي العجيب علي شكل الطير, كانت علي يد أحد أشهر الأطباء “شارل دو لوغم” و هو طبيب فرنسي و كان متولي علاج الأسرة الملكية في فرنسا و كان مُجبر علي قبول علاج الملك لويس الثالث عشر فمن الصعب أن ترفض أي أمر للملك و خصوصاً في تلك الفترة. كما كان مشرف علي علاج عدة نبلاء آخرين.

صورة للطبيب شارل دو لوغم

فأضطر الطبيب الفرنسي أن يبحث لنفسه عن وسيلة دفاع أمام ذلك الوباء القاتل, فبدأ يفكر بإبتكار زي جديد يحميه من العدوي, و كان ابتكاره الذي أصبح زي الأطباء كما يلي:

-ثوب من القماش مغطي بالشمع.

-و أسفل الثوب قميص مدسوس داخل سروال جلدي.

-حذاء جلدي و ربط السروال الجلدي به.

-قفازات و قبعة.

-قناع جلدي فوقه غطاء جلدي داكن مع ربطة من الجلد فوق الرقبة من أجل منع تسرب الهواء الضار له.

-فتح ثقوب في منطقة العين من أجل الرؤية مع منقار طويل يشبه بمنقار الطيور أمام الأنف.

-عصا في يد كل طبيب من اجل فحص المريض بها لمنع التلامس. و كان لها دور آخر و هو صد هجمات بعض المرضي بسبب الغضب أو التوتر لحماية الطبيب.

-عدم تواجد أي تلامس بين جلد الطبيب و جلد المريض.

زي الأطباء

و بالطبع مع كل ما ذكرنا تحول الطبيب إلي واحد من الشخصيات مثل أفلام الرعب, و لكن ذلك الزي كان الغرض منه حماية الطبيب فقط, و كان انتشار ذلك المرض و العدوي مرعبة أكثر بكثير من ذلك الرداء. و أقتنع الأطباء آنذاك أن سبب إنتشار المرض هو الهواء السام فبدأوا بوضع خليط من الأعشاب علي شكل سائل داخل زيهم, و منهم من قام بإشعال النيران و وضع الأعشاب بشكل دائم علي أمل أن تنقي الهواء السام.. و لكن بلا جدوي فكان الطب في تلك الفترة غير قادر علي معرفة ما الذي يحدث حقاً من حوله… و لكن يرفض الاعتراف بذلك غالباً.

و ظل الطاعون يضرب العالم بشكل مستمر حتي بدأ العلماء بتناقل العلوم في رحلة الوصول لوسيلة لوقف الطاعون بإيجاد مصل ضده, و كان ذلك بداية من لويس باستور الذي يُعتبر مرحلة مختلفة في تاريخ الطب و مبتكر (البسترة نسبة لاسمه) ثم جوزيف ليستر الذي طور و أكمل علي ابحاث باستور و تمكن من إبتكار التعقيم بشكل خاص من أجل الجراحة, ثم المرحلة الأهم و كانت من روسيا. و هي أول دولة تنجح في إبتكار مصل بدائي و لكنه نجح بالفعل, حتي في النهاية أنتقلوا لزيارة السير “هافكين” في الهند. و كان هافكين أوكراني الأصل و لكن متولي منصب رفيع في الطب في الهند (كانت مستعمرة بريطانية آنذاك) و تم تنصيبه بذلك المنصب في محاولة للسيطرة علي الطاعون الذي أنتشر بجنون في الهند و فاق وفياته ال 20 مليون شخص.

هافكين

و تمكن هافكين بمساعدة أصدقاءه الروس من تطويرالعلاج و إبتكار مصل له عام 1900 تقريباً. لذلك عُرف باسم “مُنقذ الإنسانية”. و لكن تطور العلاج لاحقاً بشكل فعال بحلول عام 1940.

و هافكين كان يهودي صهيوني و قد تقدم بطلب للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني للموافقة علي تأسيس وطن لليهود بفلسطين و لكنه رفض…

السلطان عبد الحميد الثاني

و بالطبع مع ذكر اخر جملة و صورة الطبيب شارل دو لوغم, أول ما يخطر بذهنك المؤامرة, و هنا يظهر السؤال هل حقاً كان الطاعون مفتعل و الأوبئة مفتعلة, الإجابة علمياً و رسمياً و كما أظهر التاريخ حتي اليوم “لا” ليست مفتعلة, و لكن هل يتم إستخدام الأوبئة لأغراض شخصية أو عسكرية أو سياسية؟ فالإجابة هي نعم بنسبة 100% و هناك من التاريخ ما يوضح ذلك وضوح الشمس, من ضمنهم الحدث المذكور. فبعد أن أصبح هافكين شخصية بارزة في العالم بسبب تطويره مصل لأكثر مرض مستعصي في تاريخ البشرية آنذاك, حاولت المنظمة الصهيونية إستخدامه كوجهة للتقدم بالضغط علي الدولة العثمانية و بريطانيا من أجل الموافقة علي منح وطن لليهود بفلسطين و لكن كان رد عبد الحميد (المعتاد) “لا وطن لليهود في فلسطين”…

و في الموضوع القادم بإذن الله سنوضح أهم الوقائع التاريخية التي تم إستغلال الأوبئة بها. التي ستعكس و توضح حقيقة العديد مما يحدث في العالم حالياً.

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: