الجزء الثاني: تأسيس الصهيونية و الإفصاح عن النوايا رسمياً و المرحلة الحاسمة لرسم خارطة الطريق و كيف خدعت الصهيونية أبنائها!

و بعد أن نشر هرتزل مسرحيته الشهيرة “الغيتو الجديد” بدأ يوضح أن اليهود لن يتمكنوا من محو العنصرية تجاههم في أوروبا و بدأ يذكر أهمية تواجد وطن لليهود خاص بهم, فحسب ما ذكر أن العنصرية تجاه اليهود لن تنتهي و لن يتم معالجتها بل الافضل تجنبها و الابتعاد عنها.

بكلمات أوضح و أدق, كان يقصد هرتزل (لم يذكر ذلك), أن من المستحيل أن تصعد اليهودية للقمة في أوروبا, و لن يتقبل أبداً الشعوب الأوروبية تمكن الاقلية اليهودية المشتتة في مختلف الدول سيطرة اليهود علي الحكومات بشكل مباشر و رسمي, ربما بإمكانهم ذلك في الخفاء و التحكم في القادة, و لكن صعود اليهود للسُلطة لن يحدث أبداً و لن يتقبله العامة و لن يتمكنوا من تعديل الدستور الأوروبي بشكل يُلائم توجهاتهم, و سيظل المجتمع الأوروبي يلفظ اليهود و يُجبرهم علي المعيشة داخل أحياء خاصة بهم. كما أن تشتت اليهود في مختلف الدول يُضعف من تواجدهم و هو خطر علي إستمرارهم و الحفاظ علي أعدادهم و زيادتها. بل الافضل توحيد القوي في مكان اخر و العودة لأوروبا ككيان رسمي يُمكنه تشكيل ضغوط شديدة بالإرهاب الاقتصادي او العسكري لتحقيق الغاية.

و رغم أن هرتزل ليس الشخص الوحيد الذي سعي لتأسيس وطن مستقل لليهود فذلك الأمر قد تم إعلانه في عهد نابليون علناً و قبل ذلك بقرون أيضاً في الخفاء, و لكن الأسباب التي ذكرها هرتزل مع طريقة كتابته المؤثرة كانت عامل هام في بداية الجدية نحو الخطوة المرجوة من اليهود منذ قديم الأزل. و كانت تلك الكتابات هي فرصة هرتزل للظهور للعامة و التحول لشخصية عامة كما كان يحلم من البداية. و لكن رفضت الصحافة الفرنسية نشر اي من كتاباته, و لكنها رغم ذلك وصلت لليهود و يعتبر البعض أنها البداية الحقيقية لتأسيس الصهيونية في العالم و بداية نهضتها و نجاحها بتحديد الأولويات و الأهداف. و لكن فعلياً الصهيونية قائمة قبل ذلك بكثير و لكن هرتزل هو من أعطاها الهوية السياسية. و من المفارقات ان مثل هرتزل الاعلي في بداية حياته كان واحد من أفسد الرجال في تاريخ فرنسا و هو دي لسبس صاحب مشروع قناة السويس وفضيحة قناة بنما الكارثية.

و من أهم النقاط التي توضح اهتمام هرتزل بذاته فقط و ليس بالقضية هو اقتراح هرتزل في البداية أن الحل الوحيد لوقف العنصرية تجاه اليهود هو تنظيم تحول العديد من الشباب اليهودي “إلي المسيحية” لحل أزمة الاضطهاد, الأمر الذي تم رفضه و إخفائه لاحقاً للحفاظ علي صورته.

و لم يهدر هرتزل المزيد من الوقت فقام بالدفع بثاني كتاب له و أهم كتاب له “دولة اليهود/الدولة اليهودية” في العام التالي علي فور “1896” الكتاب الذي أحدث ضجة في العالم بالكامل و ليس في العالم الصهيوني و اليهودي فقط, و قد نص الكتاب علي تأسيس وطن لليهود في فلسطين, و لكن في الحقيقة كان هرتزل مؤيد لتأسيس وطن لليهود في شرق إفريقيا البريطاني الذي يقع داخل أوغندا و كينيا حالياً و ذلك لأن اليهود علي مدار تاريخهم يبحثون دائماً عن التواجد بجوار مصادر المياه ذلك ما دفعهم تجاه أوغندا, و لكن ربما ضغوط المنظمة ذاتها هي التي دفعت هرتزل للتوجه في كتاباته إلي فلسطين كالحلم القائم منذ القدم. و لكن توافقت الاهداف مع فلسطين في النهاية بعد الاتفاق علي ان يتم في المستقبل الاعتماد علي نهر الاردن كمصدر مياه و فعلاً تم ذلك في مشروع تحويل نهر الاردن في سبعينات القرن الماضي.  لتبدأ مرحلة من الاستغلال للأردن بعد عقد صفقة تفيد بمد الصهاينة الأردن بالمياه بعد اغتصاب حقهم المائي و تم التوقيع عام 1994.

كتاب الدولة اليهودية/دولة اليهود

قلب كتاب هرتزل “دولة اليهود” العالم رأساً علي عقب لفترة, و عكس ما هو متداول لم يرحب اليهود في البداية بالفكرة نهائياً, حيث واجه الكتاب عداء من اليهود فور نشره, فكان هناك فئة كبيرة من اليهود و بشكل خاص الارثوذكسية تبحث عن التناغم و الاندماج مع فئة الشعوب الاخري في أوروبا و ترفض التمييز و الانفصال بالكيان اليهودي بالكامل و اتضح ذلك لاحقاً بعد أن رفض عدد كبير من اليهود الانتقال لفلسطين, و ظلوا مصممين علي البقاء في اوطانهم الاصلية في اوروبا حيث كان العديد منهم بمناصب مرموقة و ليس جميعهم مضطهدين كما كان يسوق اليهود لانفسهم في عهد هرتزل آنذاك.

إلا أن مع بداية الحرب العالمية الثانية و بداية هجوم هتلر, الغير مبرر رغم اسبابه المعروفة, علي اليهود بذلك الشكل دفع اليهود للهرب من أوروبا و ترك المعيشة الآمنة المرفهة و الذهاب إلي أرض المخاطر و الحروب و البداية من الصفر,حسب وصف اليهود أنفسهم, و مع انتشار المفهوم ذاته و بشكل خاص في المناطق التي يقطنها عدد كبير من اليهود و اشتعال المحارق و الاذلال المتواصل الغير منطقي, مما دفع اليهود إلي الوصول لقناعة ان ما كان يقوله هرتزل صحيح و أنه لا ملاذ و خلاص لليهود إلا بوطن في فلسطين, مع الاخذ في الاعتبار أن قبل الحرب بأقل من 5 سنوات وقع هتلر معاهدة شهيرة مع اليهود و هي معاهدة “هعفراه” أو “هافارا” و التي نصت علي أن مساهمة هتلر في ترحيل أي يهودي إلي فلسطين يواجه في المقابل تنازل المنظمة اليهودية العالمية عن أملاك اليهود المرحلين لصالح ألمانيا. و الوكالة اليهودية بدأت باسم مكتب فلسطين في فترة الحكم العثماني كستار و التي بشكل أو بآخر أنعكست علي ما يُعرف ب “صندوق النقد القومي اليهودي” (JNF) و الذي يمتلك 93% من إجمالي مساحة و أملاك المنطقة المحتلة بفلسطين. و حالياً تم تحويل الوكالة اليهودية لمنظمة خيرية تدعم المشروعات الصغيرة و بشكل خاص يهود العرب, أما الصندوق فهو ما يجمع أموال أثري رجال الاعمال اليهود في العالم لدعم الكيان الصهيوني.

اتفاقية هعفراه

و قد زاد من دفع اليهود للذهاب إلي فلسطين رفض أمريكا قبول أي طلبات لجوء بعد أن قبلت البعض في البداية, إلا أن في الغالب الضغط لوقف القبول من أجل توجه اليهود بالكامل إلي فلسطين كان عامل, ماعدا البعض الذي توجه إلي أمريكا الجنوبية, و الآخرين مثل أينشتاين الذين رفضوا الذهاب لفلسطين, و خوفاً من إستخدام النازية له و بشكل خاص لتفوق اينشتاين النووي, فعلي الفور قبلت أمريكا (بعد الرفض في المرة الاولي) و انتقل إليها. و هو أمر تم معاقبة أينشتاين عليه لاحقاً في نهاية حياته بعد تشويه صورته بأنه السبب وراء القنبلة الذرية و حملة صحفية عن إصابته بالخرف و الأوهام علمياً حتي أصبح في نهاية حياته شبه بلا عمل حتي وفاته, ليبدأ بعد وفاته بسنوات يعرف العالم أن أينشتاين آنذاك كان قد سبق العالم بعلمه ب 25 عاماً علي الأقل (بني آينشتاين دراساته علي أبحاث العالم المصري الجليل مصطفي مشرفة لذلك عُرف باسم آينشتاين العرب و هناك مزاعم غير موثوقة ان مشرفة قد تم قتله).

و ربما من أشهر الحوادث التي توضح ذلك هو رفض بريطانيا استمرار النزوح اليهودي إلي فلسطين بعد ان وصل الامر لحد فقد السيطرة البريطانية علي الأمر. و أثناء مغادرة إحدي السفن المليئة باليهود من فلسطين إجبارياً بأوامر بريطانيا بحجة انها هجرة غير شرعية, قام اليهود الصهاينة ذاتهم بتفجيرها ليسقط العديد من القتلي اليهود و لكن من أجل منع ترحيل الآخرين و إجبار الحكومة البريطانية علي إدخالهم فلسطين, و يُعرف الحادث تاريخياً باسم “فضيحة باتريا”.

فكان الهدف الاهم هو زيادة أعداد اليهود بفلسطين لكي يتمكن الصهاينة من تشكيل قوات مقاتلة من أجل التفوق علي العرب و تأسيس وطن صهيوني بفلسطين. و بإذن الله في الجزء القادم نعود مرة آخري لما انتهينا عنده من مشوار هرتزل و لكن التوضيح كان لتبعيات ما يحدث.


الجزء الثالث: لماذا هرتزل بالتحديد؟ و بداية نشر الصهيونية و التسويق لها من أجل توحيد أهداف اليهود نحو تأسيس وطن في فلسطين, دور عائلة روتشيلد و أسباب التخلص من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني!


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

لا تعليقات بعد على “الجزء الثاني: تأسيس الصهيونية و الإفصاح عن النوايا رسمياً و المرحلة الحاسمة لرسم خارطة الطريق و كيف خدعت الصهيونية أبنائها!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: