ما هي “وثائق بنما” و لماذا قلبت موازين العالم, و من وراء ذلك الأمر؟ كل التفاصيل عن واحدة من أخطر فضائح الفساد في التاريخ الحديث

أولاً ما هي وثائق بنما؟

وثائق بنما هي عبارة عن 11.5 مليون وثيقة مالية تفصيلية تحتوي علي تفاصيل لعملاء من جهات خارجية بالنسبة لبنما و عددهم 214,488 عميل علي مستوي العالم, و كان يُشرف علي تلك الأصول أو الأموال التابعة للجهات الخارجية شركة المحاماة البنمية “موساك فونسيكا” و بتلك الوثائق تفاصيل تعود لعام 1970, و وتم تسريب تلك الوثائق من مصدر مجهول عام 2015 لصحفي ألماني.

و جاءت تلك الضربة من صحيفة “زوددويتشي تسايتونج” (صحيفة الجنوب الألمانية) التي وصلت لها الوثائق عن طريق الشخصية الغير معروفة تحت مسمي “جون دو” الذي أعطي الوثائق لأحد الصحفيين الألمان. و رفض إعلان شخصيته خوفاً علي حياته, حيث أخبر المصدر للصحفي أنه قام بذلك التسريب لأنه بعد ان أضطلع علي تلك الأوراق و رأي كم الأموال شعر بالضيق و عدم وجود عدل بشري في فوارق الدخل بين طبقات المجتمع و الدول, و ربما خلاف حاد بينه و بين أصحاب الشركة دفعه للإنتقام.

و بالفعل قامت الصحيفة بطلب المساعدة من “الإتحاد الدولي للمحققين الصحفيين” لتستطيع التدقيق في كل ذلك الكم الهائل من الوثائق و قام ذلك الإتحاد بنشر جميع تلك الوثائق من خلال موقعه الإلكتروني علي الانترنت.

و لكن ما سر تلك الوثائق و لماذا أخذت كل هذا الإنتباه؟

كانت شركة “موساك فونسيكا” البنمية تشرف علي ثروات العديد من المشاهير حول العالم من سياسيين للاعبين كرة قدم و أدت إلي إهتزاز صورة العديد و إعتقالات في أكثر من دولة, و تكمن فكرة الوثائق أنها تكشف أكثر من نوع من المخالفات, فكان الأساس هو ضخ اموال المشاركين بالشركة و عددهم 214 ألف شخص تقريباً كأعضاء ضمن شركات علي الورق فقط بغرض التهرب من الضرائب و في بعض الأحيان لعمليات شراء او شراكة او عمليات تجارية “غير قانونية” و بالطبع لغسيل الأموال.

مقر الشركة ببنما

و ذلك النوع من الفضائح ليس بجديد و لكن ما جذب العالم نحو تلك الوثائق بالتحديد هو أسماء المتورطين فكانت الضربة الأولي من الصحيفة الألمانية قد شملت أسماء اثنان من أشهر السياسيين في أوروبا آنذاك “ديفيد كاميرون” رئيس وزراء بريطانيا  و “سيجموندور دافيد جونلاوجسون” و هو رئيس وزراء أيسلندا, بل و أعلنت الصحيفة أيضاً أن هناك العديد من السياسيين آخرين سيتم نشرهم و جاري التدقيق و يُقال أن تم إستخدام وسائل ضغط شديدة علي الصحيفة و تهديدات لوقف تلك الفضائح و عدم ذكر أسماء بعض الاشخاص بالتحديد.

و لكن سرعان ما بدأت الصحيفة بالضربة الثانية التي شملت أشخاص هامين من إفريقيا يعملون لدي الأمم المتحدة و العائلة الحاكمة بقطر التي تم نشر ما يُوضح أنهم يخفوا الأموال أيضاً, ثم بدأت تظهر أسماء مثل رئيس الأرجنتين و بعض الشخصيات و الحكام بالدول العربية و رجال أعمال من أوكرانيا و الإكوادور و المكسيك و رئيس وزراء أستراليا حيث شملت الفضائح 200 دولة حول العالم.

و ربما احد اشهر رجال الاعمال ضرراً كان رجل الأعمال الصهيوني “بيني شتاينميتز” الذي كان يستثمر في مجال الإنشاء و التعدين في إفريقيا, الذي تحولت حياته إلي جحيم بعد أن كان مثال لرجل الخير و التبرعات ثم فجأة بعد الفضائح تم إتهامه بالرشوة و غسيل الأموال و بدأت المحاكمات لأكثر من تهمة في أكثر من دولة و أكثر من جهة حكومية بتهم فساد و رشاوي و اصبح تحت الإقامة الجبرية لحين إنتهاء محاكمته ثم إنتهي الأمر بإعتقاله عام 2017.

بيني شتاينميتز

و تكمن فكرة تلك الوثائق او عمل تلك الشركة بالتحديد, لمساعدة المشاهير و أصحاب رأس المال علي تفادي القوانين فمثلاً بالصين غير مسموح بالقانون أن تقوم بزيادة رأس المال خارج الصين فيلجأ رجال الأعمال لشركات مثل موساك فونسيكا من أجل التمكن من ذلك و أغلب الآخرين يبحث عن الهروب من دفع الضرائب أما في الدول العربية فيأتي ذلك للتهرب من الإجبار علي نقل الأموال بالميراث حسب الشريعة الإسلامية.

رامون فونسيكا و يورجن موساك أصحاب الشركة

و حسب الإحصائات ان مثل تلك الشركات و عمليات إخفاء الأموال و تحويل مساراتها تُكلف الدول المتقدمة أكثر من 200 مليار دولار سنوياً خسائر في تحصيل الضرائب من الشركات الضخمة او متعددة الجنسيات, و تُعتبر ميامي بأمريكا و لندن بإنجلترا من أكثر الوجهات لغسيل و إخفاء تلك الأموال عن طريق الإمتلاك العقاري  أما أغلب الأموال الصينية فيتم ضخها في العقارات في فانكوفر بكندا بالتحديد, أي ان التوسع العمراني في تلك المدن مبني علي أموال غير شرعية في الأساس و بعلم الحكومات بالطبع.

و كان أكثر العمليات و الشركات تتم من خلال لوكسمبورج في المقدمة تليها جزيرة جيرنسي البريطانية ثم موناكو ثم سويسرا, دول ذات سمعة في الشفافية و مكافحة الفساد و هي مقر الفساد في الأساس.

كيف تمت عملية التسريب, و كيف تم حفظ تلك الملفات؟

في يوم 1 أبريل عام 2016, أخطر فونسيكا جميع عملائه أنه تعرض لقرصنة علي بريده الالكتروني, و حسب ما ذكر خبراء التكنولوجيا لم تكن تستخدم الشركة لأنواع حماية حديثة لبريدها الألكتروني و بيانات العملاء, و فور إستلام الوثائق عملوا عليها مئات الصحفيين في الخفاء دون تسريب أي خبر عنها, و كان يتم حفظ تلك الملفات علي أجهزة كمبيوتر في غرف محمية مقطوع الاتصال عنها بالانترنت بالإضافة إلي نسخ مطبوعة أيضاً تم حفظها داخل ملفات سرية لضمان الحفاظ عليها و لكن حسب ما أتهمهم ويكليكس فقد تم إخفاء بعض الملفات لدواعي أخلاقية.

أما بالنسبة لأشهر الشخصيات التي ظهرت أسمائها بالوثائق

فكان الرئيس السوداني الراحل أحمد الميرغني و أمير قطر السابق حمد بن خليفة الثاني و إياد علاوي نائب الرئيس العراقي السابق و علي أبو الراغب رئيس وزراء الأردن السابق بالوطن العربي و ابن رئيس وزراء ماليزيا السابق نجيب عبد الرزاق بالاضافة إلي رئيس وزراء جورجيا و رئيس وزراء أوكرانيا السابق و مارك تاتشر ابن رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر (المرأة الحديدية) و ابن كوفي عنان و صديقة الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول و برلسكوني رئيس وزراء إيطاليا السابق.

أما في مجال الرياضة و السينما فكان ميشيل بلاتيني رئيس الويفا, و اللاعب الارجنتيني ليونيل ميسي و الهولندي سيدورف و الاورغواني فورلان و الانجليزي أندي كول و الممثل الشهير جاكي تشان و لاعب الجولف الامريكي المعروف تايجر وودز و البريطاني سايمون كوول الشهير عضو لجنة التحكيم في برامج المواهب الشهيرة.

اللاعب الأرجنتيني ليونيل ميسي

و يعتبر أغلب الخبراء الصحفيين و الماليين أن تلك الفضيحة واحدة من أكبر الفضائح المالية في التاريخ و تُعبر عن إنتشار الفساد في مختلف بقاع العالم بمختلف المجالات.

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: