أسباب الحرب العالمية الأولي:السبب الثاني: التحالفات الثلاثية و الدور الهام لإيطاليا و بداية صعودها علي المسرح السياسي العالمي

فبالرغم ان التحالف الثلاثي الفرنسي البريطاني الروسي كان الاخطر, إلا أن أول تحالف بدأ يتشكل في تلك الفترة ليُحدد ملامح الحرب العالمية الأولي قبل بدايتها بسنوات طويلة, كان تحالف “الامبراطورية النمساوية مع حليفتها الدائمة الامبراطورية الألمانية بالإضافة إلي إيطاليا”.

التحالف الثلاثي

و رغم ذلك التحالف الشهير إلا أن إيطاليا قد خانت هذا الاتفاق لاحقاً في الحرب العالمية الأولي و تفاجأت النمسا بهجمة إيطالية أثناء الحرب عام 1915, و قد سعت إيطاليا في البداية لتشكيل هذا التحالف بإنضمامها لقوتين عسكريتين (النمسا و ألمانيا) من أجل مواجهة فرنسا ضمن صراعات كلاهما علي المستعمرات في شمال إفريقيا.

رسم توضيحي لطبيعة التحالف

و كان ذلك التحالف, الذي كان سري, تحالف فاشل منذ البداية, فالنمسا و إيطاليا كلاهما كانت تتعارض مصالحهما مع الاخر, بسبب النزاعات الحدودية بينهما, و العداء الداخلي بين الطرفين كان قائم, فرغم التحالف الظاهري إلا أن داخلياً كانت ترفض إيطاليا ذلك التحالف و بشكل خاص لأن النمسا كانت من أكثر الدول المعادية لوحدة إيطاليا و يُذكر أنها حاولت تفكيكها مرة آخري بدعم محاولة تشكيل جبهة تهجم علي روما العاصمة.  إلا أن ألمانيا كانت ترغب في ضمان قوة عسكرية كإيطاليا في موضع صداقة حتي لا تنخرط ضدها في حروب ايضاً. مما دفع ألمانيا لإجبار النمسا علي قبول التحالف مع إيطاليا ضد رغبتها.

حروب توحيد إيطاليا

استمرت الاوضاع هادئة حتي عام 1912, حيث وقعت إيطاليا في أزمة بين عرضين, العرض الأول كان العرض السابق المستمر هو تحالف مع النمسا و ألمانيا و لكن مع الاتفاق علي بقاء إيطاليا في حياد اثناء الحرب, أي أن المانيا و النمسا لن تُطالب إيطاليا بالانضمام و لكن مع وعد عدم تدخلها لحساب الطرف الاخر, و العرض الآخر كان عرض فرنسا و التي بدورها قدمت عرض لإيطاليا نيابة عن تحالف ثلاثي اخر و هو تحالف “بريطانيا – فرنسا – روسيا”.

الألوان الخضراء و الحمراء تعادل تحالفات ضد تحالفات, الزرقاء خارج التحالف (مع اعتبار الدولة العثمانية حليفة لألمانيا)

و رغم التحالفات, كانت تكره روسيا الدولة العثمانية بشدة و كانت ترغب في ضم جميع أملاكها داخل البلقان, فالتاريخ في النزاعات الدينية و الحدودية و السياسية بين العثمانية و الروسية تاريخ طويل من العداء… فعرضت روسيا علي النمسا أن يسيطرا سوياً علي منطقة البلقان التي تملكها الدولة العثمانية و تقسيمها فيما بينهما, و لكن رفضت الحكومة النمساوية داخلياً ذلك رغم انه مفيد لزيادة مساحة الامبراطورية و لكن كانت الدولة في حالة اكتفاء و شعرت الحكومة ان ضم منطقة اخري كبيرة سيجعلها تفقد السيطرة علي الامور (و ذلك له أسباب ستتضح لاحقاً متعلقة بتعدد الاعراق داخل حدود النمسا). أما الدولة العثمانية فكما ذكرنا سابقاً كانت تُعامل معاملة الرجل المسن المريض فقد إنتهت و خرجت من أي حسابات.

و لكن بعد نزاعات حادة انتهي الامر في النهاية بدخول النمسا البوسنة و السيطرة عليها, أما وسط كل ذلك كانت ألمانيا تنظر لأمر آخر و هو العداء مع فرنسا, فكانت ألمانيا التي تم توحيدها قريباً آنذاك (1871), كانت قد ضمت منطقة “ألزاس و لورين” كإقليم تابع لها, و كانت فرنسا ترغب في ضم ذلك الجزء ضمن حدودها, مما دفع ألمانيا إلي ذلك التحالف لأنها كانت تدرك ان حرباً مع فرنسا هو أمر وشيك, و تلك المناطق حالياً جميعها تتبع لفرنسا.

لوحة شهيرة في تلك الفترة كانت فرنسا تُعلم الاطفال في المدارس ان هناك مناطق داخل ألمانيا فرنسية لضمان صعود جيل يحاول استردادها في المستقبل, و تم ذلك فعلاً

و كانت فرنسا علي تحالف قوي مع روسيا بعيداً عن التحالف الثلاثي الذي شمل بريطانيا معهم, و لكن تحالف فرنسا كان قد بدأ مع روسيا بسبب توافق المصالح, كما ساعدت فرنسا في عمليات الضم بمنشوريا لصالح روسيا عسكرياً في فترة بدأت فرنسا بالفعل في نزاعات مع بريطانيا من أجل المستعمرات بإفريقيا. و ضمن ذلك التحالف لفرنسا الحماية في البداية فبعد إندلاع الحرب العالمية الأولي لاحقاً أضطرت ألمانيا كالعادة أن تبدأ الحرب و هي تُقاتل علي جبهتين روسيا و فرنسا, و إنتهي التحالف بعد صعود البلشفية (السوفييت) للحُكم و إعدام إمبراطور روسيا ما تحول بعد ذلك لإنسحاب روسيا من الحرب. و فضح الحزب البلشفي لاحقاً جميع المعاهدات السرية.

معارك البلشفية في روسيا

و خشية فرنسا الدائمة من ألمانيا سببها الرئيسي الإرتباط الحدودي بينهما.

و كان سعي روسيا الدائم لتحالف هو أزمة الديون الشديدة التي سقطت بها الدولة, فكانت تبحث بكل السبل عن حليف من أجل إعادة تشكيل اقتصادها و تقويته في محاولة لمواكبة الإنهيار الاقتصادي و التمكن من سداد الديون. لذلك أستغلت فرنسا تلك الفرصة و تمكنت من تشكيل تحالف هام مع روسيا.

أما بالنسبة للتحالف الثلاثي الأول, فحاولت إيطاليا في البداية الالتزام بإتفاقها مع النمسا و ألمانيا, او كانت تنتظر مجريات الحرب, لتُقرر في عام 1915 (العام الثاني للحرب العالمية الاولي) بأن تنضم لصف فرنسا و حلفائها و تُعلن الحرب رسمياً علي النمسا. بحُكم أن النمسا هي التي بدأت الحرب بهجومها علي صربيا بعد حادثة مقتل الآرشيدوق النمساوي الشهيرة, و من جانب آخر بسبب عدم إلتزام النمسا مع إيطاليا بدفع مستحقات متفق عليها من قبل الحرب, كما سيتضح في الأجزاء القادمة.


التالي: السبب الثالث: صراع التسليح و سياسة “معيار ذو قوتين” و لماذا تهتم بريطانيا بإمتلاك أقوي أسطول بالعالم!


العودة للسبب الأول: الحرب العثمانية الروسية و مؤتمر برلين. و بداية صراعات البلقان و ظهور مصطلح “رجل أوروبا المريض”.


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

رأيان حول “أسباب الحرب العالمية الأولي:السبب الثاني: التحالفات الثلاثية و الدور الهام لإيطاليا و بداية صعودها علي المسرح السياسي العالمي

  1. تنبيه: غير معروف

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: