أسباب الحرب العالمية الأولي: السبب الثالث: صراع التسليح و سياسة “معيار ذو قوتين” و لماذا تهتم بريطانيا بإمتلاك أقوى أسطول بالعالم!

و بعد ما ذكرنا في الأجزاء السابقة, بدأت واحدة من أهم المراحل التي أدت لإندلاع الحرب في النهاية, فبداية من عام 1898 بدأت ألمانيا تتجه لزيادة تسليح الدولة و بشكل خاص بسلاح البحرية, الامر الذي أدي لقلق بريطانيا و بداية هي الاخري ترتيب حصة كبيرة من الميزانية العسكرية لتطوير الاسطول و زيادة التسليح البحري, و لكن رغم ذلك أستمرت ألمانيا في تسليحها البحري بشكل كبير مما أدي لبداية عداء رسمي مع بريطانيا. و لذلك أسباب سنعرضها في هذا الموضوع.

و بدأت بريطانيا تحاول بكل السبل عرقلة استمرار التسليح الألماني و ذلك ليس لقلقها العسكري بل كانت بريطانيا مطمئنة تماماً لقدرتها العسكرية البحرية التي تفوق قوة ألمانيا بكثير و حافظت علي استمرار الفارق بينهما, و لكن القلق الحقيقي كان من مهاجمة ألمانيا لسفنها التجارية في حالة إندلاع حرب.

و يعود ذلك بالاساس لأن بريطانيا كدولة داخلياً إنتاجها و بشكل خاص الغذائي لا يكفي سكان بريطانيا كاملة آنذاك, فالإنتاج المحلي من الغذاء لا يتخطي ال 60% ببريطانيا, و معني ذلك أن 40% علي الاقل يجب ان يتم نقلها من المستعمرات إليها, بمعني آخر في حالة قطع الطرق البحرية علي بريطانيا يعني ذلك وقوع مجاعة بداخلها علي الفور.

رسم يوضح أهمية الزبد النيوزيلندي الذي كان يتم نقله بكم كبير جداً لبريطانيا

و ذلك كان السبب الرئيسي علي مدار تاريخ بريطانيا للإهتمام بالاسطول و التسليح البحري و البحث عن مستعمرات بالخارج, بالإضافة بالطبع لعدم تمكن اي دولة من الهبوط علي أرض بريطانيا سوي بحراً أو جواً لذلك اهتمت بالقطاع الجوي لاحقاً ايضاً. و لكن في تلك الفترة بما أن السلاح البحري كان أقوي و أخطر, فكان الاهتمام و التركيز عليه, و طبقت بريطانيا آنذاك قاعدة هامة في الدولة تُعرف ب”معيار ذو قوتين” و ذلك ببساطة هو أن تتأكد بريطانيا دوماً أن قوة أسطولها تعادل مجموع قوي الجيشان التاليان لها في القوة بحرياً. لذلك عُرف باسم معيار ذو قوتين.

قوة الأسطول البريطاني (الأول) = قوة أسطول الدولة في المركز الثاني + قوة أسطول الدولة في المركز الثالث

و مع اهمية الغذاء هناك أيضاً حركة نقل المواد الخام إلي بريطانيا ثم تحويلها إلي منتج و نقلها بغرض التصدير, و بذلك أصبح اعتماد بريطانيا اقتصادياً و عسكرياً بالكامل علي الاسطول.

معيار ذو قوتين

و مع استمرار نهوض ألمانيا بحرياً أصبح ذلك عائق كبير علي بريطانيا الامر الذي يجبرها علي تطوير اسطولها أيضاً,  إلا أن ألمانيا لم تكتفي بذلك فبعد أن حلت محل فرنسا كثاني اقوي اسطول بعد بريطانيا آنذاك تمكنت ألمانيا أيضاً من أن تُصبح أقوي جيش في أوروبا متفوقة علي بريطانيا ذاتها, مع احتفاظ بريطانيا بأفضلية الاسطول.

و كالمعتاد و كما ذكرنا كان توحيد ألمانيا و إيطاليا قد بدأ يظهر إنعكاسه في تلك الفترة بصعودهما كقوي جديدة في أوروبا تزاحم القوي الموجودة من البداية, مما أدي لتضارب في المصالح و صراعات علي المناطق و محاولة كل دولة فرض هيمنتها علي الاخري, و كان من ذكاء بسمارك (المستشار الألماني) أنه كان يبحث عن تهدئة الاوضاع بين ألمانيا و الدول العظمي خارجياً لفترة طويلة لكي يحافظ علي الدولة من الدخول في أي ازمة مع قوة عظمي آخري في فترة إعداده لجيش قوي. بمعني أدق الحفاظ علي ألمانيا من دخول حرب مبكرة قبل الأستعداد الجيد.

بسمارك

و أقتنع فيلهلم الثاني آنذاك بنظرية أهمية التفوق البحري و أنها العامل الحاسم بين الدول الضعيفة و القوية, مما دفعه لطلب من البحرية الألمانية ببناء 36 سفينة حربية جديدة, و لكن لم تتمكن الدولة من إنتاج مما طلب سوي 4 فقط علي مدار عامين بسبب عدم موافقة البرلمان علي تقديم الدعم المالي لطلب فيلهلم بالكامل. لأسباب إقتصادية داخلية, أهمها رفض زيادة الضرائب علي الشعب.

غضب فيلهلم كعادته, و قام بتعديلات و علي الفور احضر الأدميرال الألماني الشهير “ألفرد فون تيربيتس” من الخارج و وضعه بمنصب القائد الاعلي للقوات البحرية و نائب الامبراطور لشئون البحرية و توصل الثلاثي الغاضب “فيلهلم و بسمارك و تيربيتس” إلي أن الحل الوحيد للتمكن من إجبار بريطانيا علي الدخول مع ألمانيا في مفاوضات بصفتها قوة عظمي موازية لها هو الوصول بالاسطول الألماني لحجم يكافئ الاسطول البريطاني أو علي الاقل أسطول لا تتمكن بريطانيا من تدميره “وحدها” في حالة وضعه في مركز الدفاع و بريطانيا الهجوم. علي أمل منع تشكيل الاتحاد الثلاثي بين بريطانيا و روسيا و فرنسا, و لكن لم ينجح الامر في النهاية.

فيلهلم الثاني

استمر تيربيتس بالضغط من أجل زيادة حجم الاسطول ليتماشي مع البريطاني و لكن كما ذكرنا بريطانيا كان فكرها مختلف فهي تريد قوة ضعف مجموع الاثنان التاليان, مما يعني مجموع اسطول فرنسا و ألمانيا, و مع زيادة حجم اسطول ألمانيا المتواصل كان ذلك يدمر مبدأ بريطانيا و يشكل تهديد بالنسبة لها, و تزامن ذلك مع دخول بريطانيا في حرب مع البوير (سكان جنوب إفريقيا من المهاجرين الهولنديين) من اجل صراع السيطرة علي جنوب إفريقيا, و أستغلت بريطانيا الحرب لتقوم بمحاصرة سفينة ألمانية في جنوب إفريقيا كبداية رسمية للمناوشات بينهما.

دخل تيربيتس في صراعات حادة مع البرلمان بسبب رفض زيادة الميزانية للبحرية, لرفضهم في الاساس رفع الضرائب من اجل تمويلها, و لكن كان يُصر تيربيتس علي ان يواكب الاسطول البريطاني بعد ان ذكر لمصانع السفن رسمياً أن التصنيع للإستعداد لحرب مع بريطانيا وشيكة, تزامن ذلك الرفض من البرلمان مع وقوع أزمة بالمغرب بين ألمانيا و فرنسا و إسبانيا بعد تجاهل مصالح ألمانيا هناك لحساب الإثنان الآخرين, و كان ذلك الحدث له تاثير بألمانيا ذاتها و بين سكانها و إنفعالهم ضد استمرار مقاومة بريطانيا لصعود ألمانيا كقوة عظمي, مما ادي لقبول البرلمان خطة تيربيتس العسكرية نتيجة ضغوط الشعب نفسه, و زيادة الحصة البحرية من الميزانية بقيمة 35%.

بجوار السهم تيربيتس و علي اليسار بالصورة فيلهلم

استمر تيربيتس في التسليح و لكن في النهاية وقعت الازمة بعد ان اصبح “برنهارد فون بولو” مستشار ألمانيا و بعد ان تولي ببضع سنوات بدأت تظهر أزمة في مديونية ألمانيا و إنهيار حاد في الميزانية بسبب استمرار دعم التسليح البحري فبدأ توقف عملية التسليح و خفض الميزانية المخصصة للبحرية و دخل في صراعات حادة أيضاً مع الإمبراطور فيلهلم مما أدي لإستقالة فون بولو في النهاية.

برنهارد فون بولو علي اليسار

و في عام 1908, بعد توتر العلاقات اكثر من مرة و تحول الامر لأوضاع وشيكة علي وقوع حرب بين البلدين, تقابل الملك البريطاني “إدوارد السابع” مع الامبراطور الألماني “فيلهلم الثاني” و حاول النقاش معه في مسألة الوضع البحري للبلدين, إلا أن في النهاية رفض فيلهلم التدخل البريطاني و أخبرهم أن ليس هناك أي قلق او ازمة من زيادة تسليح ألمانيا بحرياً و لكن لم تتقبل بريطانيا الرد و بدأ الدفع بميزانية ضخمة لزيادة قوة الاسطول.

فيلهلم علي اليمين و إدوارد علي اليسار

و رغم إصرار ألمانيا علي أهمية الاسطول (الذي لم تستفيد منه في الحرب لاحقاً), بدأت روسيا بشكل مفاجئ بزيادة كبيرة في عدد الجيش و إنتشاره, الأمر الذي دفع ألمانيا لتحويل الميزانية للجيش نفسه بدلاً من البحرية فقط, ليهدأ صراع التسليح البحري بين ألمانيا و بريطانيا و لكن بعد أن ساءت العلاقات بينهما تماماً, و بحلول عام 1912 أصبح وضع ألمانيا رسمي عداء مع بريطانيا. و أيقنت ألمانيا أنها ستدخل حرب لا محالة فقدمت عرض لبريطانيا أن توقف ألمانيا سباق التسليح البحري و تضمن لبريطانيا تفوقها البحري مقابل توقيع بريطانيا علي الإلتزام بالحياد في حالة دخول ألمانيا حرب و لكن رفضت بريطانيا العرض, و كان ذلك قبل بداية الحرب العالمية الاولي بعامين.

منازعات ما قبل الحرب العالمية الأولي

أي بمعني أصح وصل الوضع لنهايته و أيقنت ألمانيا أن هناك حصار يتشكل عليها في التحالف ليُصبح بريطانيا بتفوق الاسطول و روسيا بتفوق الجيش و العدد و فرنسا كطرف ثالث علي حدودها لتُصبح بذلك ألمانيا وسط أزمة فعلية بتحالف ثلاث قوي ضخمة امام صعودها في العالم. و يُعتبر ذلك الصراع في التسليح هو من أهم الاسباب التي أدت لإندلاع الحرب العالمية الاولي في النهاية. و بطريقة او بآخري كان يدرك العالم آنذاك أن بريطانيا مهما حدث ستدخل في حرب مع ألمانيا أو ستستدرجها إلي حرب من أجل إسقاط صعودها كقوة عظمي منافسة لها.

الأمر الذي دفع بريطانيا لبداية تشكيل سلسلة من التحالفات و المعاهدات أشبه بالحبال التي ألتفت حول ألمانيا حتي خنقتها فعلياً في النهاية.. و في الجزء القادم توضيح لطبيعة التحالف الثلاثي البريطاني الفرنسي الروسي.


التالي:السبب الرابع: الاتفاق الودي, الغير ودي.. الذي أنهي نزاع استمر لآلاف السنوات و اسقط مصر في يد بريطانيا


العودة للسبب الثاني: التحالفات الثلاثية و الدور الهام لإيطاليا و بداية صعودها علي المسرح السياسي العالمي


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية
error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: