أسباب الحرب العالمية الأولي: السبب الخامس: الحرب الروسية اليابانية التي غيرت مراكز القوي في العالم و قلبت الموازين

الجزء الأول: أسباب العداء بين البلدين, و الخطة اليابانية القومية المحكمة التي رسمت الطريق لسحق روسيا

و مع تسلسل الاحداث السابقة, و تعامل بريطانيا و فرنسا و ألمانيا علي أنهم القوي العظمي الوحيدة في العالم في تلك الفترة, بدأت مناوشات حادة بين روسيا و اليابان بعد طلب اليابان من روسيا أن تترك لها منشوريا في مقابل تنازلها التام عن أي تدخل في كوريا لصالح اليابان, و لكن رفضت روسيا العرض لتبدأ الكارثة بين البلدين. و منشوريا هو إقليم يقع داخل الصين حالياً.

و كانت أطماع روسيا في آسيا كبيرة و ممتدة, و بشكل خاص بعد تأمينها لقاعدة عسكرية في الصين “بورت آرثر” التي تنازلت الصين عنها لصالح روسيا, و كان الصراع مستمر بين روسيا و اليابان لسنوات نتيجة تعارض مصالح البلدين في التوسعات داخل آسيا حيث كانت تسعي اليابان نحو تأسيس إمبراطورية عملاقة في آسيا.

أما روسيا فكانت تستفيد من تواجدها المائي بآسيا في المناطق الدافئة بسبب أزمة البرودة الشديدة في الشتاء بروسيا و التي تحد من تمكن روسيا من استخدام الموانئ علي المحيط الهادئ طوال العام. و بعد أن عرضت اليابان علي روسيا منشوريا مقابل كوريا, رفضت روسيا و لكن ليس رفض تام بل أشطرت علي اليابان الاتفاق علي منطقة محددة داخل كوريا علي أن تكون منطقة حيادية بين البلدين, و لكن رفضت اليابان ذلك.

خريطة توضح موقع الميناء بجانب السهم الاحمر بالصورة

و رغم رفض اليابان ظلت الضغوط الروسية قائمة, فكان المعتاد أن لا قوة في العالم خارج اوروبا تتمكن من منافسة أي قوة (عظمي) داخل أوروبا, و لكن ما كان يغيب عن روسيا أن اليابان كانت قد بدأت في طفرة تكنولوجية كبيرة في التسليح منذ عام 1868, حيث بدأت تحويل أغلب الدولة إلي الصناعة الحديثة رغبة منها أن تنافس دول الغرب و أن تُصبح دولة عملاقة متطورة مثلها مثل دول أوروبا.

Credit: Siemens

و كان الحلم الياباني منذ البداية هو احتلال كوريا و البدء في عملية توسعة تشمل أغلب دول آسيا لتُصبح الإمبراطورية اليابانية إمبراطورية عملاقة, و بدأت النقاشات داخل الحكومة اليابانية و التي انتهت بالاتفاق علي الانتظار حتي تتمكن اليابان من النهوض و التحول لقوة عظمي هي الاخري بالتسليح و العلم و الصناعة ثم تبدأ بدخول كوريا و هي واثقة من تمكنها من مجاراة حرب شرسة مع أي دولة عظمي في العالم. و لتتخيل الوضع القائم في اليابان آنذاك و كيف توحدت الدولة علي هذا الهدف, فتأسست حركة يابانية من الشعب تُطالب الحكومة بالهجوم علي كوريا.

الأسطول الياباني

أعلنت اليابان أن الاولوية للنهوض بالحكومة أولاً و بالدولة و بكيان اليابان ثم الهجوم لضم كوريا و الصين, و قد ذكرت اليابان رسمياً آنذاك أن الصين و كوريا قد تنازلوا عن حقهم في الاستقلال بسبب توفقهم عن النهوض و تحديث الدولة و صناعتها, فأصبح بذلك حق اليابان الهجوم علي تلك الدول, مع وعد الشعب بتحويل اليابان إلي دولة مثل دول اوروبا و الشعب الياباني إلي شعب مثل الشعب الاوروبي. و كان يأمل اليابانيون في ذلك فعلاً.

طوكيو عاصمة اليابان عام 1905

و يتعجب المؤرخون من موقف الشعب الياباني نفسه في فترة الحروب الشهيرة اليابانية التي بدأت مع الحرب الروسية اليابانية و الحرب الصينية اليابانية و العالمية الاولي و الثانية, حيث كان يتحرك الشعب و يضغط علي الحكومة من اجل الدخول في حروب خارجية و ممارسة سياسة فرض القوة التي كانت تصل في بعض الاحيان لاغتيال بعض القادة بالحكومة في حالة البحث عن إنهاء النزاعات بسبل سلمية أو تفادي الحروب!

حيث كان يعتبر الشعب الياباني الدخول في مفاوضات سلام هو “حالة ضعف”.

و نتيجة تلك الرغبة الشرهة لدي اليابان في فرض الهيمنة اليابانية علي آسيا بالكامل, بدأت الحكومة تعد كل اليابان لتُصبح مستعدة للحرب, حتي الاطفال في المدارس كان يتم إعدادهم ضمن المدرسة علي أن يُصبحوا جنود في المستقبل مما يشمل تدريبات عسكرية و تربية الطالب بأسلوب إعداد ليُصبح مقاتل, و كانت الصين في تلك الفترة تحاول الهيمنة هي الاخري علي كوريا حتي دخلت اليابان و الصين في الحرب اليابانية الصينية الاولي و التي تمكنت اليابان من خلالها بتغيير السلطة بكوريا, و التي كانت منقسمة هي الاخري من الداخل بين مؤيدين التبعية للصين و اخرين مؤيدين التبعية لليابان. و لكن كان يميل المتعلمين الكوريين لصف اليابان إعجاباً بنهضتها العلمية و الصناعية و هم من ساعدوا اليابان و استنجدوا بها لكي تدخل في حرب ضد الصين و تهيمن علي كوريا.

و في تلك الفترة بدأت روسيا تستعد لتشكيل دولة آخري بآسيا تابعة لها, فقامت بتأسيس مدينة في شمال الصين (هاربن) و الاعداد لخط سكة حديد عابر لسيبيريا عملاق لكي يضمن و يثبت حلقة الوصل مع روسيا لتُصبح دولة عملاقة و لها موارد كثيرة بالخارج, و بدأت روسيا من خلال تلك التوسعات بأن تضع قدمها رسمياً داخل كوريا مما بدأ يحفز اليابان نحو اتخاذ خطوات جادة و حاسمة نحو روسيا.

هاربن و يظهر المعمار الروسي قديماً بوضوح

و بذلك يكون اتضح الجزء الخاص بالعداء, أي أن الأمر في البداية كان صراع توسع إمبراطوريات, فكانت روسيا تميل أكثر للتوسع في آسيا, و هو أفضل من كل الجوانب من ناحية الموارد و من ناحية الصراعات فلم تكن جميع الدول الأوروبية تميل لآسيا بل كان توجههم نحو إفريقيا أكثر آنذاك, أما اليابان فلم يشعر بها العالم إلا بعد بصفعة حادة سمعتها جميع الدول, ستضح تفاصيلها بدءاً من الجزء القادم بإذن الله.


الجزء الثاني: اللحظات الاخيرة لما قبل الحرب و دور ألمانيا الهام و كيف أسقطت اليابان روسيا في الفخ بتخطيط عسكري- سياسي ممتاز


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية
error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: