أسباب الحرب العالمية الأولي: السبب الثامن: أزمة البلقان الأولي (أزمة البوسنة) و بداية العداء النمساوي الصربي الذي إنتهي بإغتيال الآرشيدوق و سبب إنقلاب إيطاليا في الحرب لاحقاً

بعد أن بدأ إنهيار الدولة العثمانية بحلول العام 1870 تقريباً, بدأت تشعر جميع الدول الأوروبية أن سيطرة الدولة العثمانية علي منطقة البلقان هو أمر يستدعي التدخل, ففي السابق كانت السيطرة العثمانية علي تلك المنطقة تعود إلي القوة الغاشمة للقوات العسكرية العثمانية و خشية الجميع في دخول حرب أمامها إلا بتحالفات و تحالفات ضخمة. و كانت نادراً ما تنجح في النهاية..

و مع إستمرار إنهيار الدولة العثمانية إقتصادياً أيضاً و سقوطها في فخ الديون, بدأت تستغل العديد من الدول تلك الديون من أجل عقد صفقات مع الدولة العثمانية أقل ما تُصف به “صفقات مذلة”, و مع استمرار تمكن الفساد بداخل الدولة و ضعف السلاطين واحداً تلو الآخر, كان من الطبيعي أن يبدأ الطمع في منطقة البلقان, و من أوائل الدول التي صارعت الدولة العثمانية علي تلك المنطقة هي روسيا كالعادة, فهي واحدة من أكثر الدول التي خاضت حروب ضد الدولة العثمانية.

تقسيم البلقان

و مع نجاح عدة دول في البلقان بالاستقلال بدأت دول أوروبا تتحرك من أجل تفكيك البلقان و تقسيمه, و كانت صربيا و النمسا من أكثر الدول ذات مطامع بتلك المنطقة, و بدأ تجاهل الدولة العثمانية تماماً و أشتد الصراع بين البلدين مما وصل الأمر في النهاية إلي إندلاع الحرب العالمية الأولي عام 1914 ببداية هجوم نمساوي علي صربيا بعد عملية إغتيال صربية للآرشيدوق النمساوي.

تحالفات الدول, القوي يضغط علي الضعيف حتي الحلقة الأضعف و هي صربيا

و رغم أن النمسا كانت حليفة ألمانيا و التي كانت حليفة الدولة العثمانية, و لكن تم الإتفاق أثناء الحرب الروسية العثمانية الأخيرة بين الدولتين علي أن تظل النمسا حيادية و لا تتدخل في الحرب العثمانية الروسية علي شرط أن تتغاضي روسيا عن دخول النمسا للبوسنة و ضمها. و دون مبالغة كادت روسيا أن تُنهي التواجد العثماني في العالم للأبد في تلك الحرب (حرب 1877) و لكن ما منعها من ذلك هو تحذيرات من النمسا و بريطانيا بضرورة توقف روسيا عند ذلك الحد. و كانت بريطانيا قلقة من تواصل روسيا مع دول البلقان بسبب الديانة “المسيحية الأرثوذكسية” المترابطة بين روسيا و تلك الدول, مما سيتسبب في توسعة الإمبراطورية الروسية بشكل مقلق لبريطانيا.

و كان القلق البريطاني-النمساوي بالتحديد من سيطرة روسيا علي الممرات المائية داخل تركيا و التي بدورها ستمنح روسيا فرصة لدخول مناطق خطرة علي النمسا و بريطانيا بأسطولها, حيث أمنت البلدين ذلك الأمر قبل تلك الحرب ب 30 عام تقريباً عندما تم توقيع معاهدة (مضيق لندن) و التي بدورها إتفاقية دولية تُجبر الدولة العثمانية علي إغلاق بعض الممرات المائية من إسطنبول أثناء إندلاع الحروب. و في عام 1878, بعد أن ألتزمت النمسا بدورها مع البوسنة في الحرب العثمانية الروسية, تم تعديل المعاهدات مرة آخري لتوقيع معاهدة برلين (التي ذكرناها بالجزء الاول) و التي بدورها منحت النمسا السيطرة علي المنطقة العثمانية ” نوفي بازار” عاصمة ” إقليم السنجق” و الذي كان يشمل مونتينيجرو (الجبل الاسود) و اجزاء من صربيا و كوسوفو حالياً, و يعني اسم العاصمة نوفي بازار “السوق الجديد”.

بين السهمين منطقة السنجق

ظلت النمسا مسيطرة علي منطقة البوسنة من تلك المعاهدة (1878), و مع صعود القيصر نيقولا الثاني للحُكم في روسيا, رفض تلك الاتفاقية من جانبه, و من جانب آخر كانت صربيا ترفض أيضاً ذلك بعد أن فصلتها تلك السيطرة عن “الجبل الأسود”, و أستمر العداء حتي عام 1903, عندما وقع حادث اغتيال للملك الصربي “ألكسندر الأول” علي يد شاب من عرق مؤيد للروس. إنهارت العلاقات تماماً بعد ذلك الحادث بين صربيا و النمسا و بعد الهزيمة المذلة لروسيا في الحرب الروسية اليابانية لم تعد روسيا قادرة علي دعم صربيا عسكرياً.

اغتيال ألكسندر الأول

مما دفع النمسا في عام 1907 لتقوم بدخول البوسنة و تحويل التحكم من إدارة إلي ضم, دون اي حق رسمي مكتوب, و تزامن ذلك مع إعلان بلغاريا أيضاً إستقلالها و اعتماده, الأمر الذي أدي لفقد مناطق عديدة داخل البلقان و تدمير أحلام صربيا بالتوسع بداخله, و لكن في محاولة للحصول علي أي شئ, طالبت صربيا أن تدفع لها النمسا تعويض عن المناطق التي خسرتها بضمها للبوسنة, لتبدأ بذلك الشكل رسمي أزمة البوسنة.

ففور ضم النمسا البوسنة و مع خسارة الدولة العثمانية لبلغاريا, أعلنت الدولة العثمانية مقاطعة لجميع السلع النمساوية مما أدي لخسائر مالية فادحة علي الفور للنمسا, لتقوم النمسا بالتواصل مع الدولة العثمانية و التوصل لتسوية بدفع 2.2 مليون ليرة عثمانية تعويض عما فقدت الدولة العثمانية من مناطق بالبوسنة, و بدأت إيطاليا هي أيضاً تُطالب بتعويضات من النمسا مقابل ما فقدته, ليتم تشكيل تحالف ثلاثي بين النمسا و ألمانيا و الدولة العثمانية و شمل إيطاليا بان تتعهد بالحياد في الحرب علي أن تدفع لها النمسا التعويضات.

و مع تخاذل النمسا في الدفع لم تحتمل إيطاليا أن تصبر ففي العام الثاني من الحرب العالمية الأولي “1915” قامت إيطاليا بفض حالة الحياد و دخول الحرب بصف بريطانيا, بإعتبار أن النمسا لم تلتزم بعهدها معها بدفع التعويضات.

تطور الأمر و أصبح كارثة و أدركت روسيا أن تلك الحيل تعني أن لليهود دور في المعاهدات مما دفع وزير الخارجية الروسي إزفولسكي بتوجيه الاتهامات بأن اليهود خدعوه, لتستمر نفس الحيل بتسريب معاهدات سرية بين النمسا و روسيا بموافقة روسيا علي منح النمسا البوسنة و التغاضي عن ضمها كما ذكرنا من قبل, و تندلع فضيحة تضع روسيا في مأزق أمام العالم بأنها تتعاقد مع طرفين متنازعين لمصالحها فقط, و كانت روسيا في تلك الفترة تضطهد اليهود و مستمرة بمذابح ضدهم.

وزير الخارجية الروسي إزفولسكي

و كان قلق روسيا بشكل عام من كل ما ذكرنا بدخول النمسا للبوسنة هو وضع صربيا, فكانت تخشي روسيا من دخول النمسا صربيا و إسقاطها و ضمها و كان نفس القلق من صربيا أيضاً, فكانت روسيا دائماً داعم كبير لصربيا و بلغاريا و اليونان و عدة دول بالبلقان لأسباب عديدة من ضمنها أسباب دينية بإعتبار جميعهم منتمين للكنيسة الأرثوذكسية.

و لكن تمكنت النمسا في النهاية من تحقيق مرادها بعد أن أعلنت أهم دولة في العالم آنذاك “بريطانيا” أنها توافق علي الوضع القائم فوافق الجميع خلفاً لها و بإتخاذ بريطانيا القرار للموافقة هدأت الأوضاع, و في الغالب كانت تمر بريطانيا بفترة إعداد لجيش ضخم من أجل الحرب علي ألمانيا فحاولت تهدئة الأوضاع حتي تستعد من اجل الحرب. و بذلك بدأ العداء الدموي بين النمسا و صربيا الذي إنتهي بإغتيال الآرشيدوق و إندلاع الحرب العالمية الأولي كما سيتضح في الأجزاء القادمة..


التالي: السبب التاسع: أزمة اكادير. (أزمة المغرب الثانية).. بداية الحروب الإقتصادية و ظهور تشرشل علي الساحة


العودة للسبب السابع: إتفاقية تقسيم أفغانستان و بلاد الفرس. و خلع عبد الحميد الثاني بعد محاولة الدولة العثمانية و ألمانيا ربط الدول العربية.. حُلم برلين-بغداد


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

لا تعليقات بعد على “أسباب الحرب العالمية الأولي: السبب الثامن: أزمة البلقان الأولي (أزمة البوسنة) و بداية العداء النمساوي الصربي الذي إنتهي بإغتيال الآرشيدوق و سبب إنقلاب إيطاليا في الحرب لاحقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: