الحرب الإيطالية العثمانية (حرب ليبيا): الجزء الثاني: أحداث الحرب و كيف إنتهت, و بداية صعود أتاتورك

بدأت إيطاليا علي الفور بإنزال قوات و بداية سلسلة من الهجمات, و كانت الدولة العثمانية في البداية تأمل بإنهاء الأمر بحل سلمي, و لكن بعد عدة إشتباكات بدأت تستعد الدولة العثمانية للهجوم, و رغم أن الجيش الإيطالي كان ضعيف للغاية في تلك الفترة, إلا أن لعبة قذرة من بريطانيا بمنع الدولة العثمانية من إستخدام مصر كمحطة لنقل الجنود إلي ليبيا ادي لإضطرار الدولة العثمانية لنقل القوات بحرياً, و كان الجميع علي عِلم بضعف الأسطول العثماني آنذاك عكس الوضع تماماً من أكثر من 100 عام من تلك الحرب.

و لكن مع إستمرار دفع العثمانيين بالجنود داخل ليبيا, خشيت إيطاليا من التعرض لهزيمة تتحول لفضيحة فبدأت تستغل تواجدها في إفريقيا فيما يُعرف بالصومال الإيطالي لتبدأ بتجنيد العديد من الجنود المرتزقة من عدة مناطق اغلبها من الصومال و أريتريا للدفع بقوات داخل ليبيا لتحصل علي التفوق العددي.

و مما لا يُذكر في تلك الحرب, أن الشعب الليبي كان متمسك بالتواجد العثماني, إلا أن فئة اليهود الليبيين هم من أستقبلوا القوات الإيطالية و دعموها من أجل أن يستمر الزحف, و هو أمر عاقبهم عليه القذافي لاحقاً عندما تولي الحُكم مباشرة بطرد جميع اليهود من ليبيا علي الفور. فكانت الحركة الصهيونية نشطة جداً في تلك الفترة و من مصلحتها أن يسقط التواجد العثماني في الشرق شيئاً فشيئاً مما سيمنح اليهود وضع آمن في فلسطين بعد إعلان دولة محتلة علي أرضها. مع العلم بالطبع ان 99% من الحروب في تلك الفترة بما فيها الحروب العالمية كانت قائمة في الأساس علي أموال “بنوك اليهود” كما كانت تُوصف آنذاك.

و رغم جهود العرب و العثمانيون في مواجهة إيطاليا إلا أن أستمرار الدفع بالجنود بالداخل الذي وصل ل 100 ألف جندي إيطالي مقابل ما لا يتجاز ال 30 ألف من العرب و الأتراك أدي بالطبع لضعف الجانب العثماني, و فرق التكنولوجيا بين الجيشين كانت عامل حاسم, بعد أن أستخدمت إيطاليا أسلحة متطورة و تقوم بأول عملية إستكشافية جوية في التاريخ و لحقها بقصف قنابل لتُصبح أول عملية قصف جوي في التاريخ أيضاً, و لم يكن سلاح الدفاع الجوي آنذاك أمر متداول, مما دفع القوات العثمانية للدفاع ضد الهجمات الجوية بإستخدام الأسلحة النارية.

و بدأت القوات العثمانية مع وصول الدعم بالتفوق علي القوات الإيطالية في بعض المعارك, و لكن بعد سيطرة إيطاليا علي الحدود و الساحل اوقفت إمداد الجيش لتبدأ سيطرة قوية من إيطاليا علي مجريات الأمور, و لكن رغم ضعف الإمداد تمكنت القوات العثمانية بحسن إدارة المعارك ومن تحقيق أكثر من إنتصار بقيادة العقيد “مصطفي كمال أتاتورك” (الذي أصبح أول رئيس لتركيا لاحقاً) و بشكل خاص في معركة طبرق الشهيرة. و تُعتبر تلك بداية صعود أتاتورك كشخصية بارزة في تركيا.

أتاتورك علي اليسار

و عكس ماهو متداول بعد أن تمكن مصطفي كمال أتاتورك من قيادة جبهة في الجيش آنذاك تغير موقف الجيش العثماني في الحرب و بدأت تسحق القوات العثمانية الجيش الإيطالي في أكثر من معركة. و لكن ضعف الاسطول العثماني رغم تفوقه كحجم علي الإيطالي أدي لبداية إنهيار تام للجيش العثماني, الذي كان أسطوله هزيل لدرجة استمرار القصف في معارك دون وقوع أي إصابة لأي من السفن أو القوات الإيطالية علي الإطلاق.

أستمرت ليبيا في سيطرتها من الناحية البحرية حتي تمكنت أيضاً من دخول جزر (ضمن اليونان حالياً) تابعة للدولة العثمانية, الامر الذي تسبب في بداية قلق النمسا كما ذكرنا من قبل بدخول إيطاليا إلي البلقان. و بسبب التفوق العددي بدأت الدولة العثمانية تغير من أسلوبها بعد تحالفها مع القبائل داخل ليبيا و تشكيل نظام الهجوم بطريقة حروب العصابات (الذي أسسه أسد الريف المغربي محمد عبد الكريم الخطابي), و حقق ذلك الأسلوب عدة نجاحات في البداية حتي تمكنت القوات العربية العثمانية من إعتقال 500 جندي إيطالي و إعدامهم. ليرد الجيش الإيطالي بمذبحة طرابلس الشهيرة و يقوم بقتل المئات من المدنيين بالهجوم علي المنازل و إشعال الحرائق التي شملت حرق مسجد بداخله مئات المصليين مما تسبب بوفاتهم.

أندلعت فضائح المذابح الإيطالية لليبيين و لكن نشرت إيطاليا أيضاً مشاهد مقتل جنودها لتوضح أسباب المذبحة محاولة لإحتواء الفضيحة التي تحولت لفضيحة عالمية و غضب العديد من شعوب أوروبا من مذابح القوات الإيطالية تجاه المدنيين, و لكن ساهمت تلك الفضائح للطرفين في النهاية بالوصول لإتفاق هدنة ثم بدء مفاوضات سلام إستسلاماً للضغط العالمي علي المذابح من جانب, و لأن الظروف كانت ملائمة لوضع إيطاليا بهيئة المنتصر من جانب آخر.

و تم توقيع إتفاقية بدورها تنسحب الدولة العثمانية من ليبيا مقابل إنسحاب إيطاليا من الجزر اليونانية و رودس, كما يتم تعيين نائب و قاضي في طرابلس و بنغازي اللذان يمثلان السلطان العثماني في ليبيا و لكن تنسحب السلطات العثمانية من ليبيا بالكامل و تتحول ليبيا للتبعية الأيطالية, علي ألا يتم إختيار النائب و القاضي إلا بعد موافقة إيطاليا علي من تم إختيارهم مع إلزام الدولة العثمانية بتحمل نفقاتهم أيضاً. معاهدة لا تسوي قيمة الورق التي كتبت عليه, و تعتبر خروج مذل للعثمانيين من جانب و تضحية كبيرة بالمقاومة الليبية من جانب آخر و هو أمر عاتب الليبيين الدولة العثمانية عليه لسنوات بإعتقادهم أن الأفضل للدولة العثمانية كان استمرارها بالمقاومة لاخر قطرة دماء, و لكن من جانب الدولة العثمانية كانت الحرب تكبدها خسائر و ديون و تجبرها علي إرسال الجيش للخارج, و كانت آنذاك لا تحتمل النفقات أو ديون أكثر مما لديها و إرسال الجيش للخارج كان يمثل خطورة كبيرة بسبب أطماع الدول المحيطة بها من كل جانب.

استمرت إيطاليا في ليبيا لسنوات طويلة و لكن بعد تلك الحرب بدأت المقاومة الشديدة بداخل ليبيا و التي كادت أن تنجح بعد إندلاع الحرب العالمية الأولي و سحب القوات الإيطالية من ليبيا, إلا أن إيطاليا ظل تواجدها بالداخل و لكن انحصر لبعض مناطق, و لم تهدأ تلك الإنتفاضة التي كبدت خسائر فادحة للطرفين إلا بعد إعدام القائد الشهير “عمر المختار” رحمة الله عليه عام 1931.

اعدام عمر المختار

و أرتكبت إيطاليا في ليبيا مذابح لا تُنسي و سقط العديد من الليبيين قتلي نتيجة المرض و المجاعات و القتل, و مما يعكس سوء فترة التواجد الإيطالي في ليبيا أن تعداد السكان الليبي لم يزيد أكثر من 100 ألف شخص علي مدار 40 عاماً تقريباً.

 و بسبب إنشغال الدولة العثمانية و إيطاليا بالحرب كانت دول البلقان في اجتماعات متواصلة لعقد تحالفات عديدة من اجل الاستعداد لضرب الدولة العثمانية الضرب الثانية و هي حروب البلقان لخلع يد الدولة العثمانية من المنطقة, و ذلك كما ذكرنا السبب الرئيسي الذي منع الدولة العثمانية من إرسال كامل قواها داخل ليبيا و الإستماتة في الدفاع عنها و الرغبة في عقد معاهدة سلام, فالتهديد في البلقان لم يكن فقط تهديد بفقد مناطق بل في حالة الانهيار دون توقف من الممكن ان يتحول لفقد تركيا بالكامل, و ذلك ما حاولت اليونان القيام به بعد الحرب العالمية الأولي مباشرة, و إنتصار تركيا في تلك الحرب (اليونانية-التركية) هو ما أعطي أتاتورك تلك المكانة الكبيرة في تركيا لسنوات بعد أن أصبح قائد معروف في تركيا من خلال حرب ليبيا أيضاً.


التالي: السبب ال11: حروب البلقان:الجزء الأول: حرب البلقان الأولي (حرب الكوليرا)


العودة للجزء السابق: الحرب العثمانية الإيطالية “الحرب الليبية”. أول حرب بقصف جوي في التاريخ, و دور اليهود في الحرب


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

لا تعليقات بعد على “الحرب الإيطالية العثمانية (حرب ليبيا): الجزء الثاني: أحداث الحرب و كيف إنتهت, و بداية صعود أتاتورك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: