أسباب الحرب العالمية الأولي: السبب ال11: حروب البلقان. (صراع الروملي)

الجزء الأول: حرب البلقان الأولي. الحرب التي إنتصر بها الكوليرا!

و كما ذكرنا و أتضح من الأجزاء السابقة يُمكننا حصر جميع أسباب الحرب العالمية الأولي السابقة تحت 3 مسميات, المسمي الأول الوقوف أمام صعود ألمانيا من جانب بريطانيا, المسمي الثاني أطماع الدول في المناطق العثمانية بالبلقان أثناء إنهيارها و المسمي الثالث أطماع الدول في المناطق العثمانية بالشرق الأوسط. و العامل الأساسي في الثلاث أسباب هو ضغوط المؤتمر الصهيوني من أجل مساعي تأسيس وطن لليهود في فلسطين, و الداعم لجميع تلك المعارك و الحروب هي أموال الصهيونية من خلال ما كان يُطلق عليه “بنوك/مصارف اليهود”. و وقعت الحرب عام 1912 و استمرت لمدة 9 أشهر حتي عام 1913.

و حروب البلقان كما يتضح من الحصر الذي ذكرناه بدأت بعد أن ادرك الجميع في أوروبا أن الدولة العثمانية قد انتهت بلا رجعة فقد تمكن منها الفساد السياسي و غرقت في الديون مع إستمرار تحالف اليهود من حولها لتسقط و ساعدته الدولة العثمانية بضعفها في تلك الفترة علي ذلك, و تُعتبر منطقة البلقان هي الصراع الأساسي و الأهم و لولا تحالف الدولة العثمانية مع النمسا و ألمانيا لغزت النمسا البلقان دون تردد.

و قد أستغلت دول البلقان إندلاع الحرب الروسية العثمانية عام 1877 (السبب الأول) و إنتهائها في العام التالي و كانت تعمل روسيا علي إسقاط الدولة العثمانية و دعم دول البلقان بسبب التوجهات الدينية نظراً لأن جميع تلك الدول تتبع المسيحية الارثوذكسية و ذلك كان مصدر الارتباط بروسيا, و فور إندلاع الحرب هجمت جميع تلك الدول علي ما تبقي من منطقة الروملي و تمكنت كل دولة من (صربيا و اليونان و بلغاريا) بضم منطقة من الروملي لها. و الاهم في ذلك الصراع كانت صربيا و التي كانت علي خلاف مع النمسا بسبب طمع الدولتان في نفس المناطق بالبلقان.

و رغم العداء الديني إلا أن بريطانيا كانت تدعم الدولة العثمانية في تلك الفترة خشية من إستغلال روسيا التوافق الديني (الارثوذكسي) مع دول البلقان مما سيمنحها فرصة لفرض سياستها و تأسيس موانئ علي ما يُطلق عليه (المياه الدافئة) بالمقارنة بالموانئ داخل روسيا, و تنشيط حركة التجارة بروسيا مما سيضر ببريطانيا أيضاً في النهاية, أما فرنسا فكانت تأمل في ضم الشام.

أستمرت الآمال البلقانية تتصاعد و كما ذكرنا العامل الديني كان الأساس في الوحدة, حتي جاءت الضربة الأهم و هي حركة تركيا فتاة التي نجحت بثورة عام 1908 بدورها تمكنت من تعديل الدستور العثماني إجبارياً و قبول السلطان العثماني عبد الحميد الثاني به قبل خلعه بعام واحد, في فترة إستمرار رفضه لمنح الصهيونية وطن لليهود بفلسطين, و بعد ثورة تركيا فتاة بدأت دول البلقان تستعد لحرب شرسة علي الدولة العثمانية التي لن تتمكن من أن توحد أهدافها بعد الآن من أجل خوض حروب ضد تلك الدول.

و بإعتبار صربيا كانت الاقوي “سياسياً” و الاخطر بين تلك الدول, كان الغضب الصربي مشتعل بعد أزمة البوسنة الشهيرة, و كانت المحاولة من أجل تشكيل تحالف عسكري بلقاني ضد الدولة العثمانية من مساعي يونانية, و لكن رفضت بلغاريا التحالف في البداية خشية من الجيش اليوناني نفسه, و لكن بعد تدخل روسيا و الاتفاق أن تلك التحالفات ستتم تحت إشراف روسي كامل يضمن حقوق الجميع وافقت بلغاريا علي ذلك مع الموافقة علي ترك منطقة مقدونيا منطقة حياد مستقلة و لكن تحت سيطرة اليونان و بلغاريا معاً لكي تتضمن وقف أي صراع مستقبلي بين البلدين, و بالفعل تم التوقيع علي اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين, و في نفس العام وصلت اليونان لتحالف مع صربيا أيضاً و الجبل الأسود شمل تحالف بين صربيا و الجبل الاسود “مستقل” بجانب تحالفهما مع اليونان, و بذلك تمكنت اليونان بدعم روسي (ظاهرياً, بريطاني سرياً) أن توحد جميع قوي دول البلقان تحت جبهة دفاع واحدة فقط. ليبدأ ما عُرف لاحقاً باسم “إتحاد البلقان”.

الملك جورج الاول اليوناني و القيصر البلغاري فرديناند

و ضمن إتحاد البلقان لتلك الدول الصغيرة ذات الجيوش الضعيفة قليلة العدد تشكيل جيش يمكنه منافسة الدولة العثمانية, فكانت اليونان من أضعف الجيوش في أوروبا آنذاك و ذلك هو سبب سعيها للتحالفات من كل جانب, و لكن اهميتها كانت تكمن في الموقع و الاسطول, و يُعتبر الجيش الصربي الأهم ضمن الجيوش إلا أن فعلياً اقوي جيش بينهم كان الجيش البلغاري و ذلك ما دفع اليونان تجاه بلغاريا كأول دولة في التحالف, و أضف إلي ذلك خطورة تواجد بلغاريا أيضاً في حرب أمام الدولة العثمانية بسبب تمكنها من تشكيل جبهة هجوم قريبة من العاصمة إسطنبول و الذي بدوره سيضع الدولة العثمانية في حالة قلق ستعطي أفضلية لدول البلقان للضغط عليها بذلك.

و في عام 1912 بحلول شهر أكتوبر سحبت دول البلقان سفرائها من الدولة العثمانية و العكس, و تم إعلان الحرب رسمياً بينهم, و أندلعت الحرب علي الفور بإيقاع سريع و اصبحت الحرب رسمياً بين الدولة العثمانية بدعم نمساوي ضد تحالف “صربيا – بلغاريا-اليونان-الجبل الأسود” بدعم روسي و متطوعين إيطاليين, و بدأت جميع الدول المشاركة كل دولة تهجم من إتجاه لمحاصرة الدولة العثمانية.

 و رغم إعتبار اليونان الحلقة الاضعف بالحرب و لكن إنتصار أسطولها علي الأسطول العثمانية ببحر الأيجة تسبب في النهاية لمنع إمداد القوات العثمانية بجيوش من الدول التابعة لها خارج تركيا, مما أدي لزيادة عدد جيوش إتحاد البلقان مقابل جيوش الدولة العثمانية لتنتهي الحرب بهزيمة كارثية للدولة العثمانية بسقوط 125 ألف قتيل تقريباً من الجيش العثماني مقابل أقل من 40 ألف فقط من إتحاد البلقان. و كانت الوفيات في تلك الحرب بسبب المرض (الكوليرا) أعلي من الوفيات بسبب المعارك.

و مع إنتشار المرض و إستمرار سقوط الوفيات, تدخلت ألمانيا بسفينة حربية واحدة فقط إلى سلانيك لتقوم بنقل السلطان العثماني المعزول عبد الحميد الثاني من منفاه بها بعد أن تمكنت اليونان من أسر العديد من القوات العثمانية بداخلها, ليتم نقله لاحقاً إلى الإقامة الجبرية حتى وفاته في إسطنبول, و قضي عبد الحميد أغلب فترة ما بعد خلعه متمركز في مناطق محددة بسبب التهديدات بالاغتيال.

السلطان عبد الحميد الثاني

سقوط تركيا بالحرب و المرض أجبر الجميع على دخول معاهدة سلام, و في مايو عام 1913 تم توقيع معاهدة سلام لندن و التي كانت بين جميع أطراف الحرب بما يشمل إيطاليا و النمسا و ألمانيا أيضاً, و تم الاتفاق على تنازل الدولة العثمانية عن كريت لليونان و بعض المناطق الاخرى مقابل استمرار ألبانيا تابعة للدولة العثمانية, و لكن لم تنجح تلك المعاهدة فأثناء ترتيب بنودها وقع إنقلاب في الدولة العثمانية و تم عزل الصدر الأعظم للدولة و تدخل “أنور باشا” قائد الجيش و سحب الدولة العثمانية من المفاوضات, بل و تحولت المعاهدة لكارثة بعد عدم التمكن من الوصول لنتيجة بين بلغاريا و صربيا و زاد الخلاف بينهما لتشتعل “حرب البلقان الثانية” … و التي نعرض تفاصيلها في الجزء الثاني.

معاهدة لندن


التالي:الجزء الثاني: حرب البلقان الثانية (أصدقاء اليوم أعداء الغد)


العودة للسبب العاشر: الحرب العثمانية الإيطالية “الحرب الليبية”. أول حرب بقصف جوي في التاريخ, و دور اليهود في الحرب


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية
error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: