حروب البلقان الجزء الثاني: حرب البلقان الثانية (أصدقاء اليوم أعداء الغد)

و كما ذكرنا بالجزء الماضي بعد أن تحولت أزمة البلقان من الدولة العثمانية إلي أزمة فيما بينهم في النهاية, بدأت اليونان علي الفور بترتيب مع صربيا رسم الحدود بينهما فيما يقع داخل مقدونيا, الأمر الذي أغضب بلغاريا و اعترضت علي تقسيم اليونان و صربيا الغنائم بينهما دون أي إعتبار لبلغاريا, رغم الاتفاق بين صربيا و بلغاريا علي أن تترك صربيا أغلب مقدونيا لبلغاريا بعد الحرب, مما أدي لإندلاع حرب البلقان الثانية بعد أقل من شهر من توقيع معاهدة لندن.

القيصر البلغاري فرديناند

و كانت البداية مناوشات بسيطة بين اليونان و بلغاريا بعد أن سمح كل طرف للاخر بدخول بعض من قواته داخل أراضي الاخر, و كان من المتفق عليه ان تمنح اليونان لبلغاريا السيطرة علي جزء كبير من خط السكة الحديد الذي يربط سلانيك (سالونيك) بإسطنبول, و لكن بعد الخلافات الحادة بين البلدين علي منطقة داخل مقدونيا مطلة علي بحر الايجة, تمكنت بلغاريا من تأمين فرقة عسكرية داخل سلانيك لتبدأ صراع حاد تزامن مع ترتيب حدود صربيا و اليونان داخل مقدونيا و بدء مناوشات آخري بين بلغاريا و صربيا التي طالبت أيضاً صربيا بمنحها شمال مقدونيا كما كان متفق, و خشية من اليونان أن تسيطر بلغاريا علي سلانيك بدأت تطالب بلغاريا بخروج قواتها من المدينة مما زاد من التوتر بين البلدين, و لكن في محاولة لتهدئة الأوضاع, أقترحت اليونان أن تخفض كل دولة عدد قواتها المستعدة للحرب للربع و لكن رفضت بلغاريا ذلك أيضاً, مما كشف جميع الأوراق و أدركت جميع الاطراف نوايا الآخري.

القوات اليونانية

و تحول الأمر لكارثة بتوقيع اليونان معاهدة رسمياً مع صربيا لتقسيم مقدونيا بينهما و تحديد حدود البلدين الممتدة بداخلها, و شملت المعاهدة أيضاً إتفاق دفاع مشترك بين البلدين في حالة أي هجوم بلغاري أو نمساوي. الأمر الذي تسبب في إشتعال الغضب البلغاري و بداية الإستعداد لحرب, لتُرسل روسيا مندوبين في محاولة لتهدئة الأوضاع بينهم و لكن رفضت بلغاريا أي نقاش مما دفع روسيا لفض التحالف مع بلغاريا و تتركها في مهب الريح وحيدة. و لكن لم يمنع ذلك بلغاريا من الاستعداد لحرب ضد البلدين بإعتبار أن جيشها يُعادل تقريباً مجموع جيش اليونان و صريبا سوياً, لتندلع رسمياً حرب البلقان الثانية.

المتطوعين من قوات مقدونيا بالجيش البلغاري

و لكن تفاجأت بلغاريا بتحالف ضخم ضدها, ففور أن بدأت بالهجوم علي حلفاؤها السابقين, و أثناء النزاعات العنيفة بين بلغاريا و رومانيا علي الحدود في تلك الفترة أيضاً, حفز ذلك رومانيا علي الإنضمام بصف الأعداء أمام بلغاريا و الهجوم عليها من الشمال (خرق معاهدة سلام بينهما), الأمر ذاته الذي حفز الدولة العثمانية علي الدخول بالحرب بصف معادِ أيضاً لبلغاريا علي أمل أن تسترد أي من الأراضي التي خسرتها في حرب البلقان الأولي. لتتحول حرب البلقان الثانية لمسرح أكبر من الأولي.

لتجد بلغاريا أنها أمام تحالف من 5 دول (صربيا و اليونان – رومانيا و الدولة العثمانية و الجبل الاسود) منفردة, و تحولت الحرب لحرب ضخمة من ناحية العدد بإجمالي قوات من جميع الجيوش أكثر من مليون جندي بأرض المعركة من ضمنهم نصف مليون بلغاري فقط.

و لكن رغم قوة الجيش البلغاري كان الاكثر إنهاكاً نتيجة الإعتماد الكلي عليه في المعارك الأعنف و الأكبر بحرب البلقان الأولي أمام الدولة العثمانية عكس الجيش اليوناني و الصربي. و دون إعلان الحرب بدأت بلغاريا بالهجوم علي اليونان علي الفور و لكن تمكنت اليونان من إستعادة سلانيك و دخول قري بلغارية لتقع مذابح بمدنيين بلغاريين داخل تلك القري, و ترد بلغاريا بدخول قري يونانية و مذابح آخري تجاه مدنيين يونانيين شملت حرق منازل من الطرفين, و عكس المتوقع تمكنت اليونان من تحقيق انتصارات في أكثر من معركة أمام بلغاريا.

و لكن كما ذكرنا في الجزء السابق كان الجيش اليوناني الأضعف, و عندما خدعته بلغاريا بفتح الطريق استغلالاً لطمعه للاتجاه نحو العاصمة البلغارية صوفيا سقط في فخ الحصار و إنهال الجيش البلغاري علي اليوناني ليسقطه تماماً, و لم تتمكن القوات اليونانية من إستكمال القتال بعد أن قطعت بلغاريا جميع طُرق الإمداد إليه. و حاولت اليونان ان تستنجد بصربيا لتحاول الهجوم مرة اخري و لكن رفض الصرب طلب اليونان, لتقبل اليونان بعرض بلغاريا بالهدنة. بعد أن سقطت بغباء في فخ الحصار.

القوات الصربية

أما رومانيا فأستمرت بالحرب علي بلغاريا و ذلك بسبب قيام بلغاريا تجاه رومانيا بنفس ما حدث معها, فكان الاتفاق بين البلدين (رومانيا و بلغاريا) قبل حرب البلقان الأولي أن تظل رومانيا حيادية بالحرب مقابل التنازل عن مناطق لصالحها و لم تلتزم بلغاريا بالوعد بعد الحرب, مما دفع رومانيا للهجوم استغلالاً للحرب الثانية. و بدخول الدولة العثمانية تمكنت من ضم منطقة صغيرة و هي ما يقع داخل مدينة ادرنة حالياً و اجزاء صغيرة اخري محيطة بها.

و مما سبق ذكره يبدو و كأن أسباب الحرب رغم انها في النهاية ضم مناطق, إلا أنها تُعتبر بها استعجال و سوء تصرف فلم يلجأ أحد للحلول السياسية أو تدخلات خارجية… فكانت جميع تلك الدول في الحقيقة ما هي إلا قطع يحركها طرف خارجي مستفيد من الحرب, كيف وقعت دول البلقان في مأزق بسبب “الغباء السياسي” و ضعف الخبرة و من هو الشيطان المحرك للحربين بعبقرية؟ .. ذلك ما سيتضح في الجزء القادم و الأخير لحروب البلقان.


التالي:الجزء الثالث: إنتهاء الحروب و نتائجها و اكتشاف الخدعة العبقرية البريطانية و كيف سقطت جميع دول البلقان في الفخ… البلقان و “الغباء السياسي”


العودة للجزء الأول: حرب البلقان الأولي. الحرب التي إنتصر بها الكوليرا!


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

رأيان حول “حروب البلقان الجزء الثاني: حرب البلقان الثانية (أصدقاء اليوم أعداء الغد)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: