حروب البلقان:الجزء الثالث: إنتهاء الحروب و نتائجها و اكتشاف الخدعة العبقرية البريطانية و كيف سقطت جميع دول البلقان في الفخ… البلقان و “الغباء السياسي”

و تُعتبر جميع الدول المشتركة في تلك الحرب هي دول تتصف ب “الغباء السياسي”, فكان جميع تلك الدول و تلك الحرب جزء من لعبة بريطانية, فكانت تُظهر بريطانيا لروسيا أنها تدعمها من جانب, و من جانب آخر كانت تدعم بلغاريا و منحتها الموافقة للسيطرة علي منطقة البلقان بالكامل بما يشمل إسطنبول و مناطق داخل الدولة العثمانية, لأنها كانت تدرك أن بلغاريا أقل خطورة بكثير من روسيا, و من جانب آخر رفضت أن تساعد فرنسا لكي تدخل في الحرب مما دفع فرنسا لعدم دخولها أيضاً خوفاً من دخول ألمانيا بصف الدولة العثمانية و سحق فرنسا بالكامل.

و رغم تقديم بريطانيا الموافقة لبلغاريا إلا أنها سراً أقنعت اليونان أن تسعي في تشكيل ذلك التحالف أي أنها كانت تُعِد لسحب روسيا من البلقان و تُعِد من جانب آخر نزاع جديد بإعطاء الحافز لليونان و بلغاريا بالسيطرة علي المنطقة لكي تدخل كل تلك الدول في حروب لن تفيد أي منهم و لكن تستفيد بريطانيا بتفتيت قوي تلك المنطقة بالكامل, مع العلم أن بريطانيا فوق كل ذلك كانت قد أرسلت لروسيا موافقة في حالة إن أرادت روسيا التوسع في البلقان!

هربرت أسكويث رئيس وزراء بريطانيا

و علي الجانب الآخر كانت النمسا قد بدأت بأزمة مفتعلة من صربيا بتوجيه من روسيا بتحفيز من بريطانيا, علي أن تبدأ الشعوب ذات العرق السلافي داخل الامبراطورية النمساوية بمظاهرات و احتجاجات ضد هيمنة العرق الألماني النمساوي علي الحُكم و طلب الانفصال. و عندما علمت النمسا أن صربيا هي الوقود لتلك الأزمة أرادت أن تدخل في حرب ضدها و لكن أرسلت ألمانيا رسمياً للنمسا أنها تستعد حالياً لحرب كبري و تعد الجيش و لن تكون جاهزة لبداية إشتباك قبل منتصف عام 1914 علي الأقل (وقت وقوع الحرب العالمية الأولي الفعلي لاحقاً), مما دفع النمسا بمحاولة السيطرة علي الامور دون قتال و الانسحاب من بعض المناطق بالبلقان و إنهاء آمالها بضم ألبانيا.

أما ألمانيا و التي من المفترض أنها كانت الحليف الدائم للدولة العثمانية, يعتبر نهاية إعتمادها علي الدولة العثمانية كحليف بنهاية السلطان عبد الحميد الثاني, و أتضح ذلك لأنها تدخلت لإنقاذه من داخل سلانيك/سالونيك, و لكن لم تتدخل و تقف بصف الدولة العثمانية بالحرب نظراً لأنها كانت تري في بلغاريا حليف افضل و اقوي من الدولة العثمانية (و هي لا تعلم ان بريطانيا قد أمنت العلاقات مع بلغاريا), فكانت تفضل أن تسيطر بلغاريا علي البلقان بإعتبارها ستتحول لقوة ضخمة تساندها بالحرب العالمية الأولي لاحقاً أو كما كان يُقال آنذاك “الاستعداد للحرب العظمي”.

و إنتهت الحرب رسمياً مع قبول الهدنة في شهر أغسطس عام 1913, أي لم تدم الحرب إلا قرابة شهرين, و تم توقيع معاهدة بديلة لمعاهدة لندن و هي معاهدة بوخارست (عاصمة رومانيا). مع منع/رفض الدولة العثمانية من المشاركة في تلك المعاهدة, و منحت تلك المعاهدة ألبانيا الاستقلال بشكل رسمي و نهائي و قسمت أجزاء من مقدونيا لصربيا و اليونان و بلغاريا و لكن مع منح مناطق داخل البوسنة لبلغاريا و الجبل الاسود, بالإضافة إلي تنازل بلغاريا عن جزء لرومانيا, و أستفادت بلغاريا من تلك المعاهدة بالحصول علي منفذ لبحر الايجة و ضم مدينة بها ميناء.

معاهدة بوخارست
معاهدة بوخارست

و تم توقيع معاهدات منفصلة بين تلك الدول مع الدولة العثمانية (ماعدا الجبل الاسود) و لكن ظل العداء و الكره الاكبر بين الدولة العثمانية و اليونان و الذي توارثته لاحقاً تركيا لتقع بينهما حرب شرسة بعد الحرب العالمية الأولي قادها أتاتورك و لقن اليونان درساً قاسياً رفع من شأنه في تركيا لاحقاً.

و بسبب تلك الحروب تم تهجير كم كبير من سكان دول البلقان لأسباب دينية و عرقية إلي داخل و خارج الدولة العثمانية و إنتشر العداء بدول البلقان الذي لم ينتهي حتي وقت قريب, و بسبب تلك الحروب أيضاً وُلِدت دولة “ألبانيا” و التي تمكنت من تأمين مساحة تضمن لها قيام دولة بدعم إيطالي نمساوي الذي منع تمكن صربيا منها خوفاً من الزحف الصربي نحو التوسعة. (و كان ذلك ترتيب للمستقبل من كلاهما لضمها لاحقاً و غزتها بالفعل إيطاليا في الحرب العالمية الثانية).

إعلان قيام دولة مستقلة بألبانيا

و بإنتهاء حروب البلقان إنتهي التواجد العثماني داخل البلقان و أصبح مقتصر علي تركيا فقط تقريباً بتلك المنطقة بالإضافة إلي سيطرتها علي الدول العربية, مما دفع لاحقاً حركة تركيا فتاة للإستمرار في عملية التمكن من السُلطة, و بدخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الاولي و الانهيار الكارثي في الحرب خسرت ما تبقي لها خارج تركيا أيضاً في الشرق الاوسط لتنتهي بذلك الدولة العثمانية و تبدأ لاحقاً الجمهورية التركية بقيادة مصطفي كمال أتاتورك.

أتاتورك في خطاب بإحتفال ذكري مرور 10 سنوات علي تأسيس جمهورية تركيا
أو استقلال تركيا كما يُطلق عليه هناك

و بذلك يكون انتهي الجزء المتعلق بحروب البلقان المرتبط بالحرب العالمية الأولي, و من الجزء القادم, نبدأ بالحوادث الداخلية بالامبراطورية النمساوية التي أدت لحسم موعد الحرب.

بداية من الجزء القادم نعرض حادث “اغتيال الآرشيدوق” كيف تم التخطيط له و أسبابه و ما لحق ذلك و دور الصهاينة بإشعال الحرب.


التالي:السبب ال12: العلاقة الغرامية السرية التي تسببت في اختيار الآرشيدوق النمساوي للاغتيال, و التي لم يُكتشف سرها إلا بعد 126 عام!


العودة لللجزء الثاني: حرب البلقان الثانية (أصدقاء اليوم أعداء الغد)


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

لا تعليقات بعد على “حروب البلقان:الجزء الثالث: إنتهاء الحروب و نتائجها و اكتشاف الخدعة العبقرية البريطانية و كيف سقطت جميع دول البلقان في الفخ… البلقان و “الغباء السياسي”

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: