اغتيال الآرشيدوق:الجزء الثالث: كيف أدارت المخابرات الصربية الاغتيال, و التفاصيل الغير متداولة عن ال 6 محاولات للاغتيال. و كلمات الآرشيدوق الاخيرة قبل وفاته

بعد أن تمكن برينسيب و زملائه دخول الحدود النمساوية في المساء, استمرت عملية نقل الأسلحة لتنفيذ عملية الاغتيال حتي يوم 3 يونيو عام 1914, و اثناء ذلك تمكنت المخابرات العسكرية الصربية من الوصول لمعلومة هامة تخص الآرشيدوق النمساوي, حيث نقلت المخابرات أن الآرشيدوق “فرانتس فرديناند” يستعد لزيارة لمدينة سراييفو (البوسنية) يوم 28 يونيو, و علي الفور بدأت الاتصالات حتي تم إبلاغ القائمين علي عملية الاغتيال أن موعد التنفيذ تم تحديده يوم “28 يونيو”.

الآرشيدوق فرانتس فرديناند

و بحلول يوم 15 يونيو, تمكن جميع المتصلين بعملية الاغتيال من وصول سراييفو بما فيهم صندوق عملاق ملئ بالسكر في الظاهر و بالأسلحة بالباطن و تم إخفاؤه داخل منزل ” إيليتش” زعيم جماعة اليد السوداء, و لكن في تلك الفترة علي مدار 3 أيام كان هناك تخبط شديد بين القيادة في صربيا و الجماعة بالداخل و تم عقد أكثر من إجتماع حيث تم الإتفاق في البداية علي إلغاء عملية الاغتيال, و لكن في النهاية بعد عقد اكثر من اجتماع تم الاتفاق علي التنفيذ في الموعد المحدد, و في الغالب ذلك التخبط كان متعلق بوضع صربيا العسكري نفسه و مناقشة إستعدادها للمواجهة في حالة إندلاع حرب من عدمه.

السلاح الذي استخدمه برينسيب في قتل الآرشدوق

و استمر الجميع بحذر ينتظر حلول يوم التنفيذ, حتي مساء يوم 27 يونيو عام 1914, قبل عملية الاغتيال بساعات, اجتمع الجميع من المتصلين داخل سراييفو, حيث حرصت المخابرات الصربية علي ألا يعلم أحد شيئاً عن هوية الآخرين المشاركين في تلك العملية, و كان ذلك الترتيب إحتياطياً في حالة اعتقال أي منهم لن يتمكن من الإبلاغ عن الآخرين لأنه فعلاً لا يعرف هويتهم.

اهم 3 اشخاص في الجماعة برينسيب علي اليمين و سابرينوفيتش في المنتصف

و كان الارشيدوق النمساوي قد أرسله الامبراطور النمساوي ليتفقد الاوضاع العسكرية في البوسنة, فكما ذكرنا عدة مرات في الاجزاء السابقة فكرة إندلاع حرب كبري في أوروبا كان أمر محسوم و يتم الاعداد له منذ عام 1878, و الاتفاق علي أن الدول تكون مستعدة من مطلع عام 1914, كان الاتفاق علي الموعد منذ عام 1905 تقريباً, و استغل الارشيدوق فرصة سفره ليقوم بإفتتاح متحف جديد في سراييفو (عاصمة البوسنة), و لكنه فعلياً كان مع موعد لإفتتاح مسرح الحرب العالمية الأولي.

الإمبراطور فرانتس يوزف علي اليمين و الآرشيدوق فرانتس فرديناند علي اليسار

و في صباح اليوم التالي, يوم الاغتيال, 28 يونيو عام 1914, تمركز 6 أشخاص علي طول الطريق بإنتظار قدوم الارشيدوق النمساوي من أجل اغتياله, و مما ساعد العملية بعض اخطاء الحرس الخاص بالارشيدوق نفسه, أهمها اثنان:

الأول, كان إقناع الشرطة البوسنية (متعمدة او غير, ليست موضحة) بأن الحراسات يجب ان تكون من الشرطة البوسنية أفضل حتي لا يظهر الارشيدوق للعامة بحراسات خاصة نمساوية (عِرق ألماني) اثناء افتتاح المتحف, حتي لا يزداد الكره و العداء له.

و الخطأ الثاني كان اثناء بداية سير موكب الارشيدوق حيث اخطأ 3 من الحرس الخاص للأرشيدوق لم يلحقوا بالموكب بعد أن أخذ 3 ضباط شرطة آخرين اماكنهم في سيارة رئيس الشرطة بالخطأ, متعمد أم لا لم يتم توضيحه أيضاً.

و لاحقاً تم توجيه تهم لحاكم البوسنة بالتقصير و سوء إدارة الاحتياطات الأمنية.  

بدأ الموكب في التحرك الساعة ال10:00 صباحاً, و بحلول ال 10:10 دقائق مر الموكب من أمام أول عضو من جماعة الاغتيال ال6, و كان يحمل قنبلة و مسدس و لكنه لم يتمكن من إطلاق النار بسبب الحرس, و كذلك الثاني, و لكن مع الوصول للثالث, “سابرينوفيتش” قام بإلقاء قنبلة يدوية علي الفور و لكن أخطأ في التصويب لترتد القنبلة من سيارة الارشيدوق و تسقط أسفل سيارة آخري و تنفجر و تتسبب في إصابة 20 شخص و لكن دون قتلي و لم يكن الارشيدوق منهم, و علي الفور قام سابرينوفيتش بتعاطي السُم و القفز في النهر, و لكن لسوء حظه لم يكن مفعول السُم قوي بما يكفي لقتله و تمكنت الشرطة من القفز خلفه و إعتقاله, و انهالت عيله العامة بالضرب و لكنه نجا و تم القبض عليه. و هو أحد من قاموا برواية ما سبق ذكره.

اعتقال سابرينوفيتش

و بسبب تلك القنبلة انطلق الموكب بأقصي سرعة له مما أوضح للجميع أن الامر انتهي و ان عملية الاغتيال قد فشلت, و لكن أصر الآرشيدوق علي استمرار الموكب و عملية الافتتاح ظناً منه ان الجاني قد تم القبض عليه, و قابل حاكم البوسنة بغضب و أخبره “جئت هنا من أجل الاحتفال و تم استقبالي بالقنابل”. و لكن في النهاية قام بإلقاء خطبة للافتتاح و قال “أنا سعيد لأني أري العامة سعيدة بفشل عملية الاغتيال“. لم يكن يُدرك الارشيدوق ان القاتل الأفضل في انتظاره.

موقع الحادث

و بدأ الارشيدوق يستعد للمغادرة, و لكن نصحه أحد القادة أن الأفضل أن يظل الارشيدوق داخل المتحف حتي تصل القوات الخاصة بإستعدادات مناسبة لنقل الارشيدوق للخارج, و لكن رفض الحاكم حيث قال ان البوسنة ليست مليئة بالمجرمين وأن عملية الاغتيال قد فشلت, و لكن قرر الارشيدوق بدلاً من الاقتراحين ان يتحرك الان لكي يلقي نظرة علي المصابين من اثر القنبلة في المستشفي.

الآرشيدوق و زوجته

و تحرك السائق بسيارة الارشيدوق و قام احد الحراس بالتحرك معهم علي الاقدام بجوار السيارة علي امل ان يحمي الارشيدوق, و لكن أخطأ السائق في اختيار الوجهة حيث اتجه للمستشفي من وسط المدينة, و لكن ما لم يكن في الحسبان, عكس المتداول, هو ذكاء برينسيب و الاستفادة من التدريب و الخرائط التي تسلمها, فرغم فشل عملية الاغتيال كان برينسيب قد تمركز في موقع يمكنه من محاولة الاغتيال مرة آخري اثناء عودة الارشيدوق, و ذلك ما تم بالفعل, و لحسن حظ برينسيب ان السائق قد مر من أمامه و لكنه اخطأ الطريق فطلب الارشيدوق من السائق ان يتوقف لأنه أخطأ اختيار الطريق, و كانت تلك الفرصة الذهبية لبرينسيب, حيث ضغط السائق مكابح السيارة لتقف السيارة أمام برينسيب تماماً.

رسم للحظة الاغتيال

و لم يمنح برينسيب الارشيدوق فرصة ثالثة, ليهرع باتجاه السيارة علي الفور و يصعد بقدميه علي هيكل السيارة و يُطلق النار علي الآرشيدوق و زوجته من مسافة لا يُمكن أن يُخطئ أي شخص هدفه مهما كان قليل الخبرة, و لكن بعد أن اطلق النار علي الارشيدوق و زوجته لم يسعه الوقت لإطلاق النار علي نفسه ليتم القبض عليه, و لكن ذكر برينسيب لاحقاً أنه كان يريد قتل حاكم البوسنة بدلاً من زوجة الآرشيدوق.

اعتقال برينسيب

لم يُقتل الآرشيدوق علي أثر إطلاق النار علي الفور بل ظل شبه فاقد للوعي, اما زوجته فكانت قد فقدت الوعي بالفعل, بينما السائق كان مندفع بالسيارة يحاول الوصول لأقرب نقطة دعم طبي للارشيدوق, و أثناء ذلك كان الارشيدوق يردد لزوجته “صوفي, صوفي, لا تموتي, فلتعيشي من أجل أبنائنا…” تمكن السائق من الوصول إلي منزل الحاكم, و لكن كانت صوفي قد توفت بالفعل و لحقها الآرشيدوق بعد 10 دقائق فقط. ليبدأ فعلياً من تلك اللحظة كارثة سياسية استمرت حتي أندلعت أكبر حرب في التاريخ الحديث آنذاك.

و في الجزء القادم نبدأ ما يُعرف ب “كارثة يوليو” اللمسات الأخيرة التي أدت للحرب المنتظرة في النهاية. و التي توضح دور الصهاينة أيضاً كمحرك أساسي لتلك الحرب…


التالي: أسباب الحرب العالمية الأولي: السبب (الأخير) ال14: ما بعد اغتيال الآرشيدوق و استغلال الاحداث لإندلاع الحرب العظمي. “كارثة يوليو”


العودة للجزء الثاني: تشكيل العصابة الإرهابية “اليد السوداء” و الأسباب الحقيقية لعملية اغتيال الأرشيدوق النمساوي. أكذوبة صدفة عملية الاغتيال و حقيقة “برينسيب” القاتل المحترف بعيداً عن المعلومات المغلوطة تماماً


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

رأيان حول “اغتيال الآرشيدوق:الجزء الثالث: كيف أدارت المخابرات الصربية الاغتيال, و التفاصيل الغير متداولة عن ال 6 محاولات للاغتيال. و كلمات الآرشيدوق الاخيرة قبل وفاته

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: