أسباب الحرب العالمية الأولي: السبب (الأخير) ال14: ما بعد اغتيال الآرشيدوق و استغلال الاحداث لإندلاع الحرب العظمي. “كارثة يوليو”

الجزء الأول: ما بعد الأغتيال و بداية التحقيقات. و مخطط تأسيس يوغوسلافيا.

و بعد مقتل الآرشيدوق النمساوي “فرانتس فيرديناند” بدأت حملة إعتقالات موسعة علي مستوي البوسنة بالكامل, حيث حاول جميع المشتركين في تلك الحادثة الهرب و لكن تمكنت السلطات من اعتقالهم “ماعدا محمدباشيتش”, و بدأ الوضع سياسياً داخل البوسنة يخرج عن السيطرة بعد إندلاع مظاهرات حادة ضد التواجد الصربي بالبوسنة و ضد الحادث الذي وقع.

جثث الآرشيدوق و زوجته

خرج الوضع عن السيطرة بإنشغال القيادة في نتائج الكارثة و وضع النمسا في مأزق أنه لا محالة فتلك الحادثة بعد إكتشاف إرتباطها بصربيا هي إعلان حرب رسمي لا مفر منه, و علي الجانب الاخر بدأ معادين العِرق الصربي بالدولة بمذابح بحق السكان الصرب ما تطور ليتحول لعمليات حرق لمنازل و محلات تابعة للصرب أيضاً, خرج الوضع عن السيطرة تماماً و لكن تم الدفع بقوات الشرطة لتحاول إحتواء الأزمة.

احداث شغب دامية ضد الصرب

تم احتواء الازمة علي مدار 3 أشهر تقريباً حتي بدأت المحاكمات في شهر أكتوبر عام 1914 (بعد إندلاع الحرب), و أتضح دور برنسيب القائم بعملية الاغتيال من خلال التحقيقات, فعكس ما هو شائع تماماً عن أن برنسيب شخص منبوذ او قام بذلك للشهرة, فكان برنسيب منسق هام لعملية الاغتيال كلل دوره بإغتيال الآرشيدوق بنفسه في النهاية, حيث ذكر أحد المدانين (المسؤول عن نقل الأسلحة فقط) أن برنسيب قد هدده في بداية أشتراكه انه في حالة اي خيانة أو تراجع سيتم قتله هو و عائلته بالكامل.

برنسيب

و رغم تكثيف الجهود في التحقيقات إلا أن أتضح للحكومة النمساوية أن القائمين علي عملية الاغتيال متفقين في إبعاد أصابع الاتهام عن صربيا قدر الإمكان, و ربما أهم تصريح في تلك التحقيقات كان قد ذكره برنسيب نفسه و هو ما أوضح الأهداف المستقبلية لصربيا, حيث قال:

“أنا يوغوسلافي وطني, و أؤمن بتوحيد شعوب السلاف بدولة واحدة مستقلة عن النمسا و ذلك لن يتم إلا بالإرهاب”

و لكن رغم ذلك لم تقتنع الحكومة النمساوية بشهادات المدانين و ظلت تحاول البحث عن حلقة الوصل مع صربيا, و استمرت التحقيقات حتي بعد إندلاع الحرب العالمية الأولي و إنتهت بإعدام 5 أشخاص, و للعلم “برنسيب” ليس من ضمن من تم إعدامهم (بحكم صغرسنه الذي يُعتقد أنه مزور) بل حُكم عليه بالسجن 20 عاماً برفقة آخرين تراوحت مدة السجن للجميع حسب دوره من 3 إلي 20 عام, و تم إطلاق سراح 9. ليُصبح بذلك إجمالي عدد المدانين في تلك الجريمة 15 شخص.

محاكمة جافريلو برنسيب
محاكمة المتهمين برنسيب أسفل السهم

و لكن رغم ذلك, لم يحتمل برنسيب ظروف السجن في الغالب, فلم يحتمل حتي نهاية الحرب العالمية الأولي و توفي بالسجن برفقة سابرينوفيتش نتيجة الإصابة بمرض “السُل” عن عمر 23 عاماً (متنازع علي سنه) في شهر أبريل عام 1918.

أما في صربيا, فكان هناك قائد العمليات الخارجية لصربيا “أبيس” الاسم الحركي للقائد العسكري الصربي الشهير “دراجوتين ديميتريفيتش” واحد من أهم و أخطر الرجال في صربيا, حيث كان يقود أبيس جميع تلك العمليات و العصابات و التدريبات حتي إنتهت بإغتيال الآرشيدوق النمساوي. و بعد إندلاع الفضيحة و عملية الاغتيال استغل الملك الصربي ألكسندر الأول و رئيس الوزراء “نيكولا باشيتش” فرصة ظهور اسم أبيس في التحقيقات و إدانته بأنه قائد عصابة اليد السوداء و إعدامه رمياً بالرصاص أثناء الحرب العالمية الأولي.

دراجوتين ديميتريفيتش “أبيس”

و كان التخلص من أبيس قد بدأ بعزله في البداية و لكن بسبب شعبيته الكبيرة و تواجد العديد من التابعين له, خشيت الحكومة من محاولة إنقلاب أو إطاحة بالملك بسبب نفوذه فتم التخلص منه و من أتباعه بتهم “أغلبها غير متعلق بحادث الاغتيال نفسه”. و أعترفت الحكومة الصربية بعد 35 عاماً تقريباً من إعدامه هو أتباعه أن التُهم التي وجهت إليهم جميعها تهم ملفقة. و للمرة الثانية ماعدا ” محمدباشيتش” الوحيد الذي ينجو كل مرة حيث تم سجنهو لم يُعدم مع الآخرين و توفي عام 1943.

أبيس

استمرت التحقيقات و التي كانت غير مرضية تماماً للنمسا, و مع استمرار ضغط النمسا لتُثبت أن صربيا المحرك الرئيسي لعملية الاغتيال, كانت تنفي الحكومة الصربية الأمر, و توسطت فرنسا في تلك المباحثات و بدأ العداء يشتد بين النمسا و صربيا بعد أن أرسلت صربيا للنمسا خطاب توضح أن الأزمة بداخل البوسنة و أن البحث داخل صربيا عن خيوط متصلة بالجريمة لن يفيد.

غضب النمسا

و ظلت النمسا تبحث عن أي دليل, حتي أتضحت كارثة لاحقاً, و هو الاتفاق بين صربيا و روسيا, أنه في حالة اغتيال الآرشيدوق أدي لإندلاع حرب ستتدخل روسيا في تلك الحرب لحماية صربيا من البطش النمساوي, و تُعتبر تلك العلاقة هي واحدة من أهم الأحداث ضمن التحقيقات التي أوضحت للنمسا أن الأوضاع لن تستمر بذلك الشكل, و لن تسلم النمسا من صربيا بدعم روسيا, و أثبتت الدلائل أن روسيا كانت علي عِلم بعملية الاغتيال قبل وقوعها ب 14 يوماً بالتحديد.

سيرجي سازونوف
وزير خارجية روسيا سيرجي سازونوف أحد أهم المتسببين في إندلاع الحرب العالمية الأولي

نتائج التحقيقات كانت كارثية بكل المقاييس, أشعلت الغضب و بدأ الشعب النمساوي نفسه يُطالب بضرورة القضاء علي صربيا, ليظهر مصطلح يُعرف باسم “زربين موس شتربين” (يجب أن تموت صربيا), و كان ذلك بالتحديد ذريعة إندلاع “أزمة يوليو”.

يجب أن تموت صربيا
“زربين موس شتربين” (يجب أن تموت صربيا)

و تشكلت ملامح الأزمة بعد أن أنضمت ألمانيا للنمسا في مطالبها, و تم إرسال خطاب لصريبا يوضح ضرورة حل جميع الجماعات الخطرة و عزل العديد من المناصب في قيادات الجيش و التوقيع علي معاهدات تضمن للنمسا عدم قيام صربيا بأي محاولات مشابهة في البوسنة أو تجاه أي من المناطق التي تقع داخل حدود النمسا, إلا أن صربيا لم تستجيب لذلك بسهولة, و كان ذلك يوم 23 يوليو عام 1914. قبل إندلاع الحرب ب 5 أيام, لذلك عُرف هذا الخطاب الأشهر باسم “إنذار يوليو الأخير”.

إنذار يوليو

و في الجزء القادم, نناقش اللمسات الاخيرة التي وقعت في شهر يوليو “شهر إندلاع الحرب العالمية الأولي” و كيف أدي الأمر في النهاية لإندلاع حرب كانت منتظرة. التي عُرفت آنذاك باسم “الحرب العظمي”.


التالي:الجزء الثاني: الموقف العسكري و السياسي قبل الحرب, و لماذا أستقبلت النمسا حادثة اغتيال الآرشيدوق بهذا الهدوء, و دور روسيا الحاسم في تحديد موعد الحرب العظمي


العودة للجزء السابق: اغتيال الآرشيدوق:الجزء الثالث: كيف أدارت المخابرات الصربية الاغتيال, و التفاصيل الغير متداولة عن ال 6 محاولات للاغتيال. و كلمات الآرشيدوق الاخيرة قبل وفاته


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

لا تعليقات بعد على “أسباب الحرب العالمية الأولي: السبب (الأخير) ال14: ما بعد اغتيال الآرشيدوق و استغلال الاحداث لإندلاع الحرب العظمي. “كارثة يوليو”

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: