كارثة يوليو: الجزء الثاني: الموقف العسكري و السياسي قبل الحرب, و لماذا أستقبلت النمسا حادثة اغتيال الآرشيدوق بهذا الهدوء, و دور روسيا الحاسم في تحديد موعد الحرب العظمي

و كما ذكرنا في السبب الماضي, حادثة مقتل الآرشيدوق النمساوي كانت الضربة الاخيرة الحاسمة لإتخاذ موقف جاد, و تُعتبر الحادثة خطأ فادح من صربيا إن كنت تنظر للأمور من الخارج, و لكن من الداخل كان التوقيت قد تم تحديده, فكل القوي العظمي أصبحت مستعدة بما يكفي لكي يفرض الأقوي سلطته علي الأضعف, و يُحسم الأمر في الصراعات في أوروبا فلم يعد يحتمل العالم قادته بعد الآن بل يكتفي العالم ب 2-3 قادة فقط, و علي من تبقي السقوط. لذلك كانت تلك الضربة الصربية بلا شك مدعومة كما أوضحنا من روسيا المتحالفة مع فرنسا و بريطانيا, و تم إرتكاب الحادث بحق النمسا المتحالفة مع ألمانيا و الدولة العثمانية مع بقاء إيطاليا في حالة حياد (في البداية).

قميص الآرشيدوق بعد اغتياله

و رغم أن الحادث كان بدايته علي يد صربيا, لم تكن بريطانيا و روسيا علي إستعداد تام للحرب, و رغم أن ألمانيا كانت شبه مستعدة إلا أنها كانت تحتاج بعض الوقت لتُصبح جاهزة للحرب بشكل تام “بضعة أشهر لا أكثر”, و لكن مع مراقبة الاوضاع في روسيا, و كما ذكرنا تحالف روسيا مع فرنسا بغرض إعادة هيكلة إقتصادها, كانت تشهد روسيا تحسن إقتصادي و عسكري بالفعل بعد الضربة المؤلمة علي يد اليابان التي ذكرناها في الحرب الروسية اليابانية, فخوفاً من إزدياد قوة روسيا بدأت تسعي ألمانيا إلي بداية حرب عظمي مستغلة لما كانت تعتقد وضع ممتاز لتُنهي الحرب بإنتصار. “عكس ما حدث في النهاية”.

الحرب الروسية اليابانية

مساعي ألمانيا كانت واضحة بما يكفي لروسيا لتبدأ روسيا كأول دولة بعد إندلاع الأزمة “الاغتيال” بعملية تعبئة جزئية لقواتها, و فور ان انتشرت أنباء التعبئة الروسية, إزدادت ثقة صربيا التي بدورها بدأت تغير سياستها تجاه النمسا و ترفض أي تدخلات او إقتراحات نمساوية للعلاقات بين البلدين, أي أنه لولا بداية روسيا التعبئة كان من الممكن أن تستجيب صربيا لمطالب النمسا, الأمر الذي بدوره كان سيؤجل الحرب قليلاً أو سيُقلل من كم القوي المنخرطة بها, و لكن تفادي الحرب في تلك المرحلة كان شبه مستحيل.

بدء التعبئة في روسيا

أما عن تسلسل الأحداث الطبيعي, فبعد إندلاع الأزمة و وقوع حادثة الاغتيال, وعدت صربيا النمسا أنها ستبدأ بتحقيق موسع بشأن الأمر و حاولت بكل السُبل إقناعها أنها لا يد لها بالاغتيال و أن القائم عليه جماعة إرهابية منفصلة عن صربيا, إلا أن التحقيقات كشفت عكس ذلك تماماً, فبدأت صربيا توجه التحقيقات نحو الاشخاص المراد التخلص منهم داخلياً و مع إنتشار بعض المعلومات الخطرة للنمسا, بدأت تطلب رسمياً أن تضطلع علي التحقيقات الداخلية لصربيا, الأمر الذي رفضته صربيا تماماً.

بدأت الاجتماعات تنعقد و يديرها الامبراطور النمساوي وسط تخبط شديد داخل الحكومة النمساوية-المجرية, حيث أنقسمت الحكومة إلي فريقين, الفريق الأول يدعم بداية حرب رسمية و إعلان النمسا-المجر الحرب علي صربيا بشكل رسمي لتُنهي خطورة صربيا علي النمسا الآن و للأبد, أما الرأي الثاني “الأحكم” كان يري إندلاع حرب دون إعداد جيد للعامة لتلتف حول تلك الحرب ماهو إلا بداية فاشلة للحرب, فكان الرأي الثاني “رأي رئيس وزراء المجر” مع فكرة تقديم طلبات تعجيزية لصربيا و في حالة رفضها يتم إعلان الحرب بعد استغلال الوقت لإعداد الدولة للدخول في حالة حرب.

رئيس وزراء المجر “إشتفان تيسا” و الإمبراطور النمساوي فرانتس يوزف

و قد أثبتت الأيام أن رئيس وزراء المجر “إشتفان تيسا” كان لديه رؤية عميقة للمستقبل, فهو أول من حذر من حرب عظمي, حيث أوضح للإمبراطور أن إعلان الحرب علي صربيا سيستوجب تأمين دعم ألماني, و ستتدخل روسيا بصف صربيا, و بتدخل روسيا ستتحول تلك الحرب من حرب بين بلدين أو 4 إلي حرب عظمي ستشمل في الغالب أوروبا بالكامل, و قد أصاب تيسا في ذلك. مع جهله بمساعي الصهيونية التي بدورها ستوسع دائرة الحرب لتشمل الشرق الأوسط أيضاً. فتحولت الحرب العالمية الأولي إلي حرب يشترك بها كل طرف متحالف مع الاخر و لكن لهدف آخر بما فيهم أمريكا التي دخلت تلك الحرب لكي تُسقط الجميع و تبدأ المرحلة الأولي من السيطرة علي الذهب في خزائن بنوك العالم و تُعلن عن نفسها قوة عظمي جديدة و تسيطر علي جميع الدول المحيطة بها, تقمع المكسيك و تدمرها و تحتل جميع أو أغلب الدول المحيطة بها, و تبدأ عملية إقراض الدول الأوروبية لترضخ تلك الدول لمطالبها لاحقاً. و تبدأ نشر الثقافة و الصناعة الامريكية في العالم و تعقد عدة معاهدات لصحالها بإجبار الدول علي التوقيع بحكم القروض.

و بحلول يوم 2 يوليو كانت النمسا مازالت عاجزة عن إتخاذ قرار نهائي بشأن إعلان الحرب من عدمه, و لكن أرسلت ألمانيا علي الفور مندوبيها لمتابعة الموقف, و بدأ الامبراطور الألماني فيلهلم الثاني يضغط بكل قوة علي الحكومة النمساوية في محاولة لإقناعهم بإعلان الحرب مع التأكيد أن ألمانيا بصفهم, حيث كان يأمل فيلهلم بذلك أن تبدأ الحرب في توقيت كانت قوة ألمانيا العسكرية أفضل من فرنسا و روسيا.

فيلهلم الثاني

إلا أن الوثائق أثبتت لاحقاً بعد الحرب أن النمسا كانت قد أتخذت قرار بدخول حرب ضد صربيا قبل إغتيال الآرشيدوق من الاساس ب 14 يوماً بالتحديد, و هو نفس اليوم الذي أرسلت فيه صربيا تعليمات داخل البوسنة بأن يتم إغتيال الآرشيدوق و نفس التوقيت الذي أرسلت روسيا لصربيا تطمئنها بأنها ستدعمها في حالة إندلاع حرب علي أثر إغتيال الآرشيدوق, لذلك حادثة الاغتيال في الغالب كانت نتيجة تسرب معلومة عن طريق الجواسيس حيث ذُكر في الوثائق أن الإمبراطور قال “يجب إنهاء وجود صربيا كدولة للأبد لضمان إستمرار النمسا و توسعة الامبراطورية”. و هذا ما يُفسر إستقبال النمسا خبر اغتيال الآرشيدوق بهدوء بعض الشئ و بدء إعادة الحسابات للحرب, التي كانت محسومة, و تلك المعلومة كان يجهلها الامبراطور الألماني, حسب ما ذُكر لاحقاً…

تحرك الجيش النمساوي

و في الجزء القادم يبدأ ظهور زيمرمان و حقيقة هويته و الإجتماع السري الذي أوضح مساعي الصهيونية لإندلاع الحرب…


التالي: الجزء الثالث: ظهور أشهر مصطلح ما قبل الحرب “شيك علي بياض”, أول ظهور لاسم “زيمرمان” و بداية ترتيب دخول الصهاينة فلسطين قبل إندلاع الحرب… أشهر إجتماع لم يتم ذكره أبداً


العودة للجزء الأول: ما بعد الأغتيال و بداية التحقيقات. و مخطط تأسيس يوغوسلافيا.


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

رأيان حول “كارثة يوليو: الجزء الثاني: الموقف العسكري و السياسي قبل الحرب, و لماذا أستقبلت النمسا حادثة اغتيال الآرشيدوق بهذا الهدوء, و دور روسيا الحاسم في تحديد موعد الحرب العظمي

  1. تنبيه: غير معروف

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: