كارثة يوليو: الجزء الثالث: ظهور أشهر مصطلح ما قبل الحرب “شيك علي بياض”, أول ظهور لاسم “زيمرمان” و بداية ترتيب دخول الصهاينة فلسطين قبل إندلاع الحرب… أشهر إجتماع لم يتم ذكره أبداً

و كما ذكرنا مع استمرار دعم ألمانيا للنمسا, أرسل الامبراطور الألماني فيلهلم الثاني إلي الامبراطور النمساوي فرانتس يوزيف مندوب ينقل رسالة أن ألمانيا تعرض علي النمسا “شيك علي بياض” من أجل الدخول في حرب ضد صربيا, حيث أن الشيك كان المقصود به عدد لا نهائي من الدعم العسكري و المالي أيضاً, و ظل فيلهلم يكرر ذلك المصطلح في عدة مناسبات في غضون أيام “شيك علي بياض”.

صورة تعبر عن المصطلح شيك علي بياض أو Blank Cheque

و تسبب تكرار ذلك المصطلح من الإمبراطور الألماني إلي تشجيع النمساوي يوزيف علي إتخاذ قرارات جادة نحو دخول حرب أمام صربيا, و بدأ يظهر في تلك الفترة واحد من أخطر الشخصيات في فترة الحرب العالمية الأولي و أحد المحفزين لإشعال الحرب و هو “آرثر زيمرمان”.

فزيمرمان هو الذي زرع في عقل فيلهلم فكرة دخول الحرب العالمية الاولي و تشجيع النمسا عليها, كما كان أحد المندوبين المرسلين من ألمانيا للنمسا لتحفيزها علي دخول الحرب, و هو صاحب البرقية الألمانية للمكسيك التي وصلت لبريطانيا و أرسلتها لأمريكا لتُصبح ذريعة لدخول أمريكا الحرب العالمية الأولي, كما أن زيمرمان كان واحد من أهم داعمي البلشفية للوصول للحُكم في روسيا و إسقاط الامبراطور الروسي و داعم أيضاً لعدة أحداث شغب في أيرلندا و الهند من أجل زعزعة سيطرة بريطانيا, فألمانيا كانت من أهم الداعمين لأيرلندا التي أستقلت بالجنوب لاحقاً و شكلت به جمهورية أيرلندا. أي أن زيمرمان كان أحد أهم منفذي مخطط الصهيونية و لكن لماذا!

زيمرمان

و برقية زيمرمان كانت وثيقة مرسلة من ألمانيا للمكسيك تفيد بأن ألمانيا ستساعد المكسيك علي استرداد بعض المناطق من أمريكا في حالة إعلان أمريكا الحرب علي ألمانيا في الحرب العالمية الأولي, مقابل دعم المكسيك لألمانيا و هجومها علي أمريكا. و يُعتقد بعد البحث أن المعترض الحقيقي لتلك الوثيقة هي المنظمة الصهيونية التي بدورها منحتها لبريطانيا لتهديها لأمريكا لتدخل أمريكا بسببها الحرب بصف بريطانيا, رغم محاولات ألمانيا لسنوات الحفاظ علي حياد أمريكا في الحرب.

برقية زيمرمان

و لكن لا حاجة لما تم ذكره فذلك للعلن فقط, أما الباطن فزيمرمان بلا شك يهودي في الأساس (يتفق عليها الأغلبية) و حليف للصهيونية, و من أشهر ما ذُكر به اسم زيمرمان هو إجتماع تم عقده عام 1914, عام إندلاع الحرب, و حتي قبل حسم الحرب, فكان هناك خلاف حاد بين زيمرمان و بين وايزمان (الذي أصبح أول رئيس للكيان الصهيوني لاحقاً) علي أن اللغة الرسمية لجامعة تم إفتتاحها بفلسطين لليهود يجب ان تكون ألمانية لأنها لغة رفيعة و أصحابها أصحاب عِلم, بينما كان يريد وايزمان أن تكون اللغة عبرية للحفاظ عليها, و بداية العمل بها, في فترة كانت الألمانية هي اللغة المستخدمة بالمنظمة الصهيونية. و تم التصويت في النهاية علي اللغة الألمانية و لكن رفض وايزمان ذلك. و زيمرمان هو أيضاً الذي استغل علاقات ألمانيا مع الدولة العثمانية, بعد خلع عبدالحميد الثاني, لكي يحصل منهم علي قطعة أرض و تصريح بناء للجامعة “اليهودية” في فلسطين, و كانت كل تلك الترتيبات قبل إندلاع الحرب و قبل حسم نتيجة الحرب ب 4 سنوات. لذلك فلا عجب للتشكيك بحقيقة البرقية التي تسببت في دخول أمريكا الحرب, و نستنتج من ذلك أن لولا وايزمان لكانت اللغة السائدة في الأرض المحتلة بفلسطين حالياً اللغة الألمانية.

و لن تجد أي مرجع يتحدث عن ديانة زيمرمان, و لكن ستجد ذكر جملة أن “زيمرمان و آخرين” كانوا من أهم المسؤولين عن “تحسين صورة ألمانيا أمام اليهود في أمريكا” بإعتباره وجهة مشرفة بسبب منصبه في ألمانيا. بجانب إجتماعاته العديدة و علاقاته مع المنظمة الصهيونية و جزء قطعة الأرض للجامعة الذي تم ذكره. فيهودي أم لا يقبل التشكيك و لكن حليف للصهيونية أم لا فذلك أمر محسوم.

زيمرمان و حاييم وايزمان

لذلك فاليهود كانوا المحركين الأساسيين للحرب بأموالهم, فزيمرمان بذلك الشكل يُعتبر من أهم مؤسسي الصهيونية فبإشعال أزمات ببريطانيا للضغط و إدخال ألمانيا بحرب بصف النمسا و جر الدولة العثمانية أيضاً لها مع مساعدة صعود البلشفية للحُكم, فذلك يعني تدمير اليهود لتلك الإمبراطوريات بأموال الأباطرة أنفسهم. ثم العودة للمطالبة بتعويضات للدول المتضررة من هؤلاء الأباطرة!

مع العلم أن البنوك اليهودية في جميع الحالات مستفيدة, بالإقراض قبل الحرب, و بحركة الأموال و السلاح أثناء الحرب و حركة الأموال في الإتجاه المعاكس بعد الحرب. و تأمين تواجد الذهب في العالم في خزائن أمريكا بعد الحرب.

و كما ذكرنا مع استمرار ضغط ألمانيا في تلك الفترة علي النمسا لدخول الحرب, كان قد تم خداع الامبراطور فيلهلم داخلياً. فعكس الشائع كان هناك العديد من اليهود في تلك الفترة بمناصب حساسة قريبة من الإمبراطور الألماني نفسه و لكن في الغالب كانوا متخفيين في ديانة المسيحية أو متحولين ظاهرياً و كان منتشر ذلك المفهوم في أوروبا قبل الحرب العالمية الأولي, خوفاً من الإضطهاد.

و أقتنع فيلهلم ان دخول النمسا حرب حالياً مع صربيا افضل توقيت, فجميع دول العالم تستنكر ما فعلته صربيا في حادثة الاغتيال و متعاطفة مع النمسا مما سيدفع الجميع للتوقف عن دعم صربيا و السماح بالنمسا للهجوم عليها, و كان ذلك غير صحيح تماماً و هو أكبر فخ سقط به فيلهلم و تسبب في فقدانه عرشه في النهاية و إنهيار ألمانيا.

الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني

و كانا الأباطرة النمساوي و الألماني منجرفين دون تفكير دقيق تجاه بدء حرب علي صربيا, إعتقاداً منهما أن صربيا قد وقعت في شر أعمالها و تسرعت بعملية الاغتيال, إلا أن رئيس الوزراء المجري (التابعة للنمسا) “إشتفان تيسا” كان الوحيد المدرك للوضع فأقترح أن يتم فرض مطالب تعسفية يُمكن تحقيقها من صربيا لكي تضمن مستقبل هادئ للنمسا بدلاً من الحرب حيث كان يري تيسا أن الحرب خطأ فادح سترتكبه النمسا, و ظل مصمم أن تلك الدول التي تشجب أفعال صربيا حالياً فور بدء الحرب ستتحول لصف صربيا ضد ألمانيا و النمسا و ستتحول الحرب لحرب عظمي أكبر من تحمل الدولتين, بل كان يري تيسا أن تستنفذ النمسا جميع الحلول السلمية حتي يُصبح موقف صربيا ضعيف و في حالة بدء حرب لاحقاً لن تتمكن الدول من الوقوف بصفها نتيجة رفضها الحلول السلمية. لذلك يُعتبر تيسا هو العبقري الوحيد أو المخلص الوحيد ضمن الحكومتين.

إشتفان تيسا

و لكن توصل الجميع ماعدا تيسا فقط, إلي الحل الذي كان بداية النهاية, أن تقوم النمسا بإرسال عريضة من الطلبات “المستحيل تنفيذها” لكي ترفضها صربيا و تبدأ النمسا رسمياً حرب علي صربيا, و لكن رغم ذلك ظل الامبراطور النمساوي مصمم علي أن يوافق رئيس الوزراء تيسا أولاً علي بداية الحرب نظراً لإقتناعه برأيه و بعد ضغوط شديدة و تلميحات لتوقف ألمانيا عن دعم النمسا وافق تيسا في النهاية مجبراً علي حل الحرب فتم علي الفور إرسال انذار نهائي بمطالب وصفتها الحكومة النمساوية داخلياً ب “وثيقة صُممت لكي تُرفض”. حيث كانت ألمانيا قلقة بعد بداية روسيا بإنشاء خط سكة حديد عملاق علي طول بولندا و الذي بدوره سيسهل نقل الجنود إليها و كان المخطط أن يتم الإنتهاء منه عام 1917, لذلك كانت تريد ألمانيا بدء الحرب مبكراً أو بمعني أدق فوراً. و كل ذلك أيضاً كان بناءاً علي تأثير زيمرمان و أتباعه علي الإمبراطور الألماني كما سيتضح أكثر في الجزء التالي…


التالي:الجزء الرابع: دلائل المحرك الحقيقي للحرب, خطأ ألمانيا الفادح, و عرض لأهم النقاط بوثيقة النمسا التي أشعلت الحرب


العودة للجزء الثاني: الموقف العسكري و السياسي قبل الحرب, و لماذا أستقبلت النمسا حادثة اغتيال الآرشيدوق بهذا الهدوء, و دور روسيا الحاسم في تحديد موعد الحرب العظمي


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

لا تعليقات بعد على “كارثة يوليو: الجزء الثالث: ظهور أشهر مصطلح ما قبل الحرب “شيك علي بياض”, أول ظهور لاسم “زيمرمان” و بداية ترتيب دخول الصهاينة فلسطين قبل إندلاع الحرب… أشهر إجتماع لم يتم ذكره أبداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: