كارثة يوليو: الجزء السادس: 24 ساعة غيرت مجري التاريخ.. لحظة إعلان الحرب و أول طلقة في الحرب

و في يوم 28 يوليو الساعة 11:00 صباحاً أعلنت النمسا الحرب رسمياً علي صربيا, لتبدأ واحدة من أسوأ الحروب في تاريخ أوروبا و العالم “الحرب العظمي” و التي عُرفت بعد ذلك بالحرب العالمية الأولي. و في نفس اليوم الساعة الواحدة بعد منتصف الليل أطلقت القوات النمساوية أولي الطلقات في تلك الحرب علي صربيا.

و كانت الهجمة الاولي عن طريق السفينة الحربية “بودروج” التي بدأت علي الفور بقصف العاصمة الصربية بلغراد لتقوم بتفجير جسر السكة الحديد الذي يربط البلدين سوياً, و أثناء ذلك أرسل فيلهلم إلي روسيا يُطالبها بتقديم الدعم للنمسا بعد أن أتخذت قرارها بشن الحرب ضد صربيا, و لكن ردت روسيا بالرفض قائلة أنها تتمني أن تُقنع ألمانيا النمسا بالعدول عن الأستمرار بالقصف و وقف الحرب في الحال.

بودروج

و في ألمانيا تحرك السفير الروسي يُخطر الحكومة الألمانية أن روسيا بإمكانها أن تضغط علي صربيا لقبول شروط النمسا لو توقفت عن الحرب, و لكن لم توافق الحكومة الألمانية وظل وزير الخارجية الألماني “جوتليب فون ياجو” يرفض جميع الطلبات التي تتجه نحو وقف الحرب, فكان فون ياجو محرك رئيسي يسعي بكل السُبل لإندلاع الحرب و إستمرارها. بمنطق يُعتبر غير مفهوم حتي الآن داخلياً و لكن مفهوم من الصورة العامة كما ذكرنا.

جوتليب فون ياجو

و كانت ألمانيا قد حسمت قرارها بدخول الحرب حيث تم الاتفاق علي أن تدخل ألمانيا الحرب يوم 12 أغسطس, لمحاولة ترتيب الصورة العامة علي أنها لم تدعم الحرب من بدايتها, و في يوم 28 يوليو “يوم إندلاع الحرب” أرسلت ألمانيا للدولة العثمانية عرض تحالف ضد روسيا و رسالة آخري لبلجيكا تطلب تصريح بمرور القوات الألمانية من خلالها من أجل الهجوم علي فرنسا. و لكن علناً كانت تحاول ألمانيا إقناع النمسا أن توقف الحرب. إلا أن فعلياً دخلت ألمانيا الحرب قبل التاريخ المحدد ب 8 أيام في النهاية.

القوات الألمانية في بلجيكا

بمعني آخر كانت الحكومة الألمانية داخلياً تخدع الجميع, تخدع الامبراطور الألماني و النمساوي من جانب, و تخدع روسيا و صربيا و فرنسا و بريطانيا من جانب آخر, حيث كانت تحاول الحكومة الألمانية معتقدة أنه ستتمكن من خداع البريطانية و إجبارها علي قبول حالة الحياد وقت إندلاع الحرب. و كان ذلك من مساعي الصهاينة في البداية, و لكن بالطبع دخول بريطانيا الحرب كان عامل هام, لإحكام الصهاينة السيطرة علي فلسطين بعصاباتهم بعد الحرب.

مع وضوح الأمر, حاول الامبراطور الألماني المقاومة بإرسال خطاب للإمبراطور الروسي يشجعه علي الدخول في مفاوضات مع النمسا لوقف الحرب حيث أكد أنه واثق من تمكن روسيا من التأثير علي النمسا بالإنسحاب من الحرب, الأمر الذي أدي لإندلاع أزمة داخلية في الحكومة بين المحرك الأساسي “فون ياجو” و الإمبراطور الألماني نفسه. حيث بدأ الامبراطور العدول عن قراره بدخول الحرب العظمي خوفاً من إندلاع كارثة من جانب, و نعتقد (نحن) أن السبب هو هدوء فيلهلم, فكان يجمعه صداقة قوية بالآرشيدوق المغتال و في الغالب تأثره بالحادث آنذاك هو الذي دفعه لتحفيز النمسا علي دخول حرب سيشترك بها أيضاً, و لكن بعد مرور وقت علي الحادث و بعد الرحلة البحرية, بدأ ينظر للأمور بموضوعية مما دفعه للعدول عن قراره (و لكن ذلك مجرد رأي).

الإمبراطور الألماني علي اليمين و الآرشيدوق النمساوي علي اليسار, و كانت تجمعهم صداقة قوية

و بدأ الاتفاق علي إنتظار تعبئة روسيا العامة لكي تظهر روسيا علي أنها من بدأ العداء, و أثناء ذلك كانت فرنسا و بريطانيا في سلسلة من الاجتماعات وصلت في النهاية لإتفاق أن في حالة مهاجمة ألمانيا لفرنسا لن تظل بريطانيا في حالة حياد, و لكن ارسلت ألمانيا لبريطانيا تؤكد أنها لن تُهاجم فرنسا و في حالة قبول بلجيكا مرور القوات الألمانية لن تُهاجم ألمانيا بلجيكا. و كانت تلك النقاشات يديرها المستشار الألماني “تيوبالد فون بتمان هولفينج”. و لكن بعد فشل المفاوضات مع بريطانيا و إصرارها علي شرط هجوم فرنسا يعني دخول بريطانيا الحرب, بدا هولفينج يغير تماماً من السياسات و يتواصل مع النمسا يقنعها بضرورة وقف الحرب و قبول معاهدة سلام مع صربيا, فأدركت ألمانيا أن بريطانيا لن تقف في حالة حياد كما توقعت, و أن الحرب ستتحول من حرب 4 دول إلي كارثة.

القوات الروسية

بدأت إيطاليا هي الاخري تتدخل و ترسل لألمانيا أن صربيا بالفعل قد وافقت علي شروط النمسا, مما يضع النمسا في مأزق لأن بذلك فسد سبب الحرب فصربيا قد قبلت الشروط, و حاولت روسيا التواصل مع النمسا و لكنها رفضت أي نقاش و أستمرت في الحرب, و تلك ال 24 ساعة بالتحديد و ما حدث خلالها من إستمرار لرفض النمسا أي نقاش أو مفاوضات أو وقف الحرب هو ما ترتب عليه لاحقاً إتهام النمسا أثناء الحرب و بعدها أنها الطرف المعتدي و ليس المعتدي عليه, و أدي لإنهيار تلك الإمبراطوريات بعقوبات كارثية في معاهدات السلام ما بعد الحرب.

خدعة إيطاليا

أما ألمانيا فأدركت برسالة إيطاليا أن التحالف الإيطالي أصبح هو الاخر قابل للسقوط فأوضحت إيطاليا بتلك الرسالة أنها أيضاً تعتبر النمسا هي من بدأت بالعداء, و ذلك يعني أن إيطاليا في أي لحظة من الممكن أن تتخلي عن ذلك التحالف.

الجزء القادم و الأخير في السلسلة بالكامل سيكون توضيح لبداية الإلتحامات لأهم القوي المشاركة بالحرب في البداية.. لذلك يعتبر ذلك الجزء الاخير من الأسباب الفعلية لإندلاع الحرب.


الجزء التالي: الجزء السابع و الأخير: بداية الإلتحامات لأهم القوي المشاركة بالحرب و أسباب دخول كل دولة.. و كيف خُدعت ألمانيا


العودة: للجزء الخامس: الحقيقة المخفية عن محاولة ألمانيا “منع الحرب” و الخيانة الداخلية بألمانيا.. و وثيقة إعلان إندلاع الحرب العظمي.. و بداية ظهور الداهية تشرشل


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: