معني “تخفيض قيمة العملة” و تأثيره, و ما علاقة ذلك بالصراع الحقيقي بين الصين و أمريكا! و لماذا قامت مصر بالتعويم!

و خفض قيمة العملة في أغلب الدول الغير منتجة أو النامية يكون إجباري نتيجة ظروف إقتصاد الدولة و ضعف في العملية الإنتاجية بها و في حركة الصادرات و لكنه في تلك الحالة يُصبح “إنخفاض” و ليس “تخفيض”. أما في الدول المتقدمة فتسعي بعض الدول و بشكل خاص “الصين” إلي تخفيض و ليس إنخفاض قيمة العملة و ذلك من أجل الحفاظ علي مدي الإنتشار و حصتها في السوق العالمي. فكيف يتم ذلك و ما هي المخاطر المحيطة به؟

ففي البداية تخفيض قيمة العملة “هو قرار حكومي” تصدره الدولة, و ذلك يختلف عن “إنخفاض” سعر العملة كما أوضحنا, و الهدف الرئيسي من تخفيض قيمة العملة هو مكافحة العجز في الميزان التجاري بالدولة و المقصود أزمة أن تكون الصادرات أقل من الواردات و بشكل خاص عندما تكون متاحة بأسعار رخيصة.

لذلك فمميزات “خفض” قيمة العملة تجدها دائماً أرتفاع أسعار السلع المستوردة مما يتيح الفرصة لإنتشار المنتجات المحلية من جانب, و من الجانب الآخر إنتشار السلع الصادرة من الدولة في الخارج و تنشيط حركتها بسبب إنخفاض سعرها مقارنة بأسعار السلع المنافسة في الأسواق العالمية الآخري. و مع دمج الإثنان سوياً تجد الفائدة الكبري و هي ضبط معادلة الصادرات و الواردات فمع زيادة الأولي و خفض الثانية تدخل الدولة في مرحلة الإنتعاش و النمو الإقتصادي.

و لكن هناك بعض المخاطر التي تحف تخفيض قيمة العملة, فعندما يزداد سعر السلع المستوردة تبدأ خطورة عدم إهتمام التجار بخفض قيمة المنتج المحلي فحين يتم مقارنته بسعر السلعة المستوردة يظل أقل بالإضافة إلي إتاحة فرصة تصديره, فيجب أن تتأكد الحكومة أولاً من تواجد تنافسية شرسة في جميع المنتجات المحلية أو السيطرة عليها لكي تضمن وصول السلعة دائماً بسعر منخفض و بجودة مناسبة للمستهلك المحلي.

و لكن ما علاقة ذلك بالأزمة مع الصين؟

و كما هو واضح أن كل ماذكرناه بالأعلي تقوم الصين بتطبيقه حرفياً, و بدأت الصين بإتباع تلك السياسة بشكل مكثف بعد أن قام ترامب أو أمريكا بفرض رسوم إضافية “تعريفة جديدة” علي الواردات من الصين لأمريكا بقيمة 10% , و لكي تحافظ الصين علي أسعار منتجاتها داخل أمريكا (نظراً لحجم السوق الأميركي) فقامت بزيادة تخفيض قيمة العملة, في وقت من المفترض أن الصين تُطبق سياسة “تعويم” العملة. و تلك الزيادة بقيمة 10% فقط تعادل 30 مليار دولار أمريكي.

و رغم تلك المحاولة التي لم تنجح, وجدت أمريكا أستمرار دخول السلع الصينية لسوقهم بنفس الأسعار تقريباً, مما أدي إلي خروج ترامب بتصريحه الشهير حين أتهم الصين رسمياً بالتلاعب في أسعار العملة لتبدأ ما يُعرف ب “حرب العملة الصينية الأمريكية”.

و لكن ماذا تخشي أمريكا؟

فالإجابة هي إمتلاك الصين لما يُعادل 1.1 تريليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية, و كلما أزدادت الفجوة و أزداد سعر الدولار و أنخفض سعر اليوان في السوق يزداد قيمة المبلغ الذي تمتلكه الصين من سندات بالخزانة الأمريكية كدين, الأمر الذي أدي في فترة لإقتراح البنك الفيدرالي علي ترامب أن يلغي جميع المعاهدات التجارية مع الصين, و تكافح أمريكا ذلك الأمر حالياً بكل قوتها, حيث أن دين أمريكا للصين هو أكبر دين خارجي و هي صاحبة أكبر حصة في الخزانة الأمريكية كدولة أجنبية.

و تخشي أمريكا أن تستخدم الصين في المستقبل ذلك الدين للضغط عليها لإتباع سياسات معينة تتناسب مع أهدافها, مثلاً كتخليها عن تايوان و التوقف عن تشويه سمعة الصين إعلامياً علي مستوي العالم, و لا يمكن لأمريكا أو العالم أن ينفي حقيقة أن دعم الصين لأمريكا بالدين وقت الأزمة الإقتصادية العالمية الكبري الأخيرة, أدي لإنقاذ إقتصاد العالم و لكن الصين كانت المستفيد الأكبر في ذلك.

و وسط تلك الأزمة, و تلك حقيقة, كانت مصر هي ثاني أكثر دولة تم ذكرها في عالم الإقتصاد في الفترة الأخيرة بعد أن أتخذت خطوة شهيرة جداً و هي تعويم العملة و الشهرة تعود لظهور مخاطر جديدة بالاقتصاد. حيث قام البنك المركزي المصري بتحرير قيمة العملة المصرية لتتراجع أمام الدولار بقيمة 14% في عام 2016, و جاءت تلك الخطوة من البنك المركزي لتعويض الكارثة و هي النقص الحاد في الإحتياطي النقدي المصري, حيث إنهار الإحتياطي النقدي المصري قبل إشتعال ثورة يناير 2011 و حتي عام 2013, من 36 مليار دولار إلي 13.6 مليار دولار ثم 8 مليار دولار في عام 2013, أي بمعني آخر بعد حساب المديونية و عجز الموازنة المصرية فذلك كان يعني إفلاس الدولة في أقل من 15 يوماً تقريباً. رغم إزدياد الناتج المحلي المصري في تلك الفترة في البداية و لكن دون جدوي بسبب إنهياره في النهاية.

الاحتياطي النقدي المصري من 2010 و حتي نهاية 2019
الاحتياطي النقدي المصري من 2010 و حتي نهاية 2019

مع الأخذ في الإعتبار أن زيادة القروض عليها عامل كبير في زيادة الإحتياطي النقدي الدولاري بالإضافة إلي تغيير بعض السياسات بالطبع.

فكان إتخاذ قرار وقف تداول العملة و التعويم ما هو إلا محاولة لإسترجاع الإحتياطي النقدي المصري من الدولار خوفاً من سقوط في فخ سقطت فيه الأرجنتين منذ عدة سنوات بالأستمرار بدعم الدولار للمحافظة علي سعر العملة المحلية أمام الدولار مما أدي إلي إعلان إفلاس الدولة في النهاية, و هي علي وشك الوقوع في نفس الفخ مرة آخري حالياً.

و لكن سر شهرة قرار التعويم المصري هو تسليط الضوء علي خطورة “السوق السوداء” في العملات و ما يُمكن أن تتسبب به في تغيرات إقتصادية بالدول, حيث يُذكر أن سعر الدولار في السوق السوداء كان أهم سبب لقرار التعويم , حيث كان سعر الدولار بالسوق السوداء آنذاك أقرب للسعر بعد التعويم من السعر الحقيقي حيث كان يُعادل الدولار في السوق السوداء 13.5 جنيه مصري تقريباً.

لذلك حظي أمر التعويم المصري بتلك الشهرة ليس لإنعكاسه علي الاقتصاد قدر ماهو حالة توضح خطورة السوق السوداء و ما يُمكن أن ينتج عنه من تدمير داخلي لإقتصاد الدولة. و قرار التعويم بشكل عام كان أمر إجباري لكي تتمكن الدولة من الحصول علي القرض الشهير بقيمة 12 مليار دولار لمحاولة إنعاش الاقتصاد, حيث ان الاقتصاد المصري هو ثالث أكبر إقتصاد عربي بعد السعودية و الامارات. و للعلم ال 45.5 مليار دولار بالاحتياطي النقدي المصري كافية فقط ل 8 أشهر من إحتياجات الدولة من الواردات بعد تغيير السياسات و مصادر هامة في الواردات علي رأسها القمح و السكر.

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: