الجبهة الشرقية: الجزء الثالث: من حفر حفرة لأخيه وقع فيها

كما ذكرنا بالجزء الماضي كان هناك عوامل آخرى حاسمة أدت لهزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية بعيداً عن عامل البرودة الشديدة, و في هذا الجزء نبدأ بالعامل الأول.

العامل الأول: الإندفاع, و هو دخول ألمانيا بكل ما أوتيت من قوة دون تراجع بعد أن تسلمت القيادة العليا الألمانية تقرير و دراسة شاملة لوضع روسيا و المدن المحددة للحصار يؤكد سقوط تلك المدن بمجاعة محققة في وقت قصير للغاية. و هي الخطة المذكورة بالجزء الماضي.  

كان الهدف من تلك الخطة التي عُرفت ب “خطة التجويع” سقوط عدد يُقدر ب 20 مليون شخص قتيل داخل روسيا, مع التأكيد على أن وصول الجيش لروسيا يجب أن يٌدعم بتأمين الغذاء من هناك, و كان هذا شرط أساسي في تلك الخطة, إطعام الجيش من أرض العدو, و هنا كانت تكمن المجازفة.

نجحت ألمانيا بالدفع بقواتها و مباغتة روسيا بتلك الهجمة التي سبق تنفيذها الموعد المحدد لها بالأساس, تسربت المعلومة عن تلك الهجمة لأمريكا و لبريطانيا و لجواسيس السوفييت, و لكن يبدو أن هتلر كان مدرك تماماً أن المعلومة ستتسرب, لتبدأ الهجمة بعد توقيتها الأساسي و قبل توقيتها المعدل, كانت تلك الضربة التكتيكية من هتلر صفعة تُحسب له بالحرب, رغم اللوم عليه بإختيار التوقيت, إلا أن ذلك كان أفضل ما قام به بتلك الهجمة.. و لكن ستالين.. لا يثق بأحد.

بدأ الحصار بعد عبور تاريخي في وقت قياسي حققته ألمانيا و وصلت بالفعل لحدود روسيا و لأهم المدن و بدأ القصف, و كما ذكرنا كان العامل الأساسي في نجاح الحصار هو تأمين الغذاء من أرض العدو, و لكن فشلت ألمانيا في تنفيذ الجزء الثاني من خطة التجويع بسبب العملية اللوجستية و طول وقت الحصار التي لم تُحسب جيداً فمع تغير الجو و سوء الطرق الممهدة و إفتراض المثالية في تنفيذ الخطة دون أي أخطاء أو هدر من المحاصيل, أتضح في النهاية أن نقل المحاصيل على مستوى أوروبا بالكم المطلوب أمر مستحيل, فكانت تشمل الخطة السيطرة على روسيا و تحويلها لمصدر غذاء لقوات ألمانيا على مستوى أوروبا بالكامل.. و لكن لم تحكم ألمانيا تلك السيطرة أبداً.

أنتهت تلك الخطة الكارثية بنجاح الجزء الأول منها بمجاعة لا تُنسى في روسيا راح ضحاياها العديد من الروس قتلى و لكن ذاق الألمان ايضاً مما أذاقوا الروس و إنقلب الوضع عليهم. و تحولت تلك النقطة بالتحديد “التجويع” لنقطة تحول الحرب بدلاً من إسقاط روسيا أنتحرت ألمانيا فعلياً بتلك الهجمة و أكد على ذلك هتلر نفسه ليسجل أشهر حادثة إنتحار في العصر الحديث.

رغم كل ما تم من ترويج لطبيعة الحرب و رغم إلقاء قنابل على اليابان التي أدت لإعلان الإستسلام و إنتهاء الحرب, إلا أن تلك الحرب بدأت بيد ستالين و أبو شنب بتحالف و إنتهت على أيديهم ايضاً بخلاف, كان كلاهما أهم و أذكى الزعماء في تلك الحرب بلا منازع. إتحادهما غير خريطة العالم مرة و خلافهما غير خريطة العالم للأبد…

و لكن هل كان العامل اللوجستي وحده كافي للهزيمة؟ لماذا لم تتمكن ألمانيا من غزو السوفييت رغم إنتشار قواتها.. و كيف فاجأ ستالين ألمانيا بإستعداده بتواجد قوات عسكرية أكثر من المتوقع بموسكو! هذا ما سيتضح بالعامل الثاني في هزيمة ألمانيا.. بالجزء التالي.

و هنا في هذا العامل فقط كان للجو دور في زيادة فشل ألمانيا و لكن الفشل الرئيسي كان في الدخول في الوقت المحدد و تأمين مصدر الغذاء, و لكن هناك عاملان أهم منه لم يكن للجو يد بهما على الإطلاق.. و بشكل خاص الأخير الذي سنذكره في تلك السلسلة بإستفاضة بإذن الله.


الجبهة الشرقية: الجزء الرابع: رسائل أثمن من السلاح.. كلمات أقوى من الرصاص.. دور سورج (زورغة) بالحرب


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: