الجزء الثالث: طريق الحياة الذي وهب السوفييت قبلة الحياة و أرسل ألمانيا إلى الجحيم.. معركة الصبر لصالح ستالين

و رغم تضييق الخناق و أشتداد الحصار على مدينة لينينجراد, تمكن سكانها من تشكيل ما يُعرف ب “طريق الحياة” في المنطقة الفارغة بين قوات المحور التي شكلت ذلك الحصار على المدينة, و بالتحديد من خلال “بحيرة لادوغا” المتجمدة. و رغم تأمين ذلك الطريق بمد المدينة بالبضائع و الغذاء و السلاح, لكن سقط مليون قتيل في المدينة على الأقل نتيجة المجاعة. و لكن مقارنة بخطة هتلر فذلك أقل 20 مرة من المخطط الألماني.

تذكار لأهم عملية سوفييتية أمام ألمانيا

و بداخل المدينة كانت القوات الروسية تدافع بإستماتة في محاولة لصد الهجوم, و من أهم اللحظات الفارقة بالحرب هو تأمين الجيش السوفييتي لنزوح 1 مليون و 700 ألف مواطن (يشملوا أكثر من 400 ألف طفل), و تمكنت من ذلك بنجاح بفضل ذلك الطريق. بإستثناء من فقدوا أثناء عملية النزوح بسبب الجوع و القصف و يُرجح أن عددهم نصف مليون.

طريق الحياة حصار لينينجراد
طريق الحياة حصار لينينجراد

و كان يتم إستخدام وسائل النقل البحري في شهور الصيف, و في الشتاء عندما تتجمد البحيرة يبدأ أسطول من الشاحنات بالسير فوقها لنقل السلع. و لولا ذلك الطريق لنجح مخطط النازية بإسقاط المدينة في أسابيع فقط كما كان يتوقع مفترض المثالية الدائمة هتلر, و ظلت روسيا تخدع ألمانيا بذلك الطريق حتى أنعكس الحصار و أصبح الألمان هم ضحايا الجوع و البرد و ليس الروس.

لذلك يعتبر نجاح السوفييت بتأمين ذلك الطريق هو النقطة الفارقة في الحرب, فلو سقطت تلك المدينة بالتحديد, و تمكن منها الألمان لأنقلب الوضع لصالح النازية, بل و كانت وفرت معدات و أعداد من الجنود بضخها في الحصار أو بفقدانها في تلك العملية.

و تمكنهم من لينينجراد كان يعادل سيطرة كاملة على روسيا و البلطيق, و تمكنها من نقل قواتها إلي الميادين الآخرى, بمعني اخر يعتبر ذلك الطريق هو واحدة من الضربات المباشرة في إسقاط ألمانيا بالحرب. و لم يدرك هتلر بأنه سقط في فخ كلما أستمر و تعمق به إزداد سوءاً, و كان يدرك ستالين تماماً أنه نجح في إستدراج هتلر و مجرد صموده في إستمرار الحصار و تأمين الدفاع عن تلك المدينة هو العامل الحاسم في تلك الحرب.. و هنا تكمن معركة الصبر. و هنا يكمن ذكاء ستالين.

و ظل الجيش النازي يضرب المدينة بكل قوة و أستمر القصف دون أي يأس, و رغم أن البداية المتوقعة كانت دخول المدينة في أسابيع إلا أن مع مرور سنوات, لم يتوقف الجيش الألماني الذي أعتقد أن أستمرار القصف يمكنه أن يُنهي المدينة في النهاية, و بالفعل تدمرت المدينة تماماً و فقدت بشكل ما بنيتها التحتية بالكامل, و سقط مليون و نصف جندي قتيل, لذلك يُعتبر حصار لينينجراد هو أسوأ حصار لمدينة في تاريخ البشرية, نظراً للأعداد.

و لكن بداية من عام 1943, بدأت قوات المدينة بتشكيل هجمات ناجحة للغاية, و تمكنت من خلالها بدفع القوات النازية بعض الشئ ليبدأ تخفيف حدة الحصار, و أستمرت تلك القوات في ذلك الدفاع حتى مطلع عام 1944, عندما تمكنت من إبعاد الجيش النازي عن حدود المدينة, بالإضافة للدعم الخارجي السوفييتي لصد ذلك الحصار, و الحلقة الأضعف في ذلك الحصار كانت فنلندا التي تمكن الروس من إبعادها تماماً ليفشل حصارها ثم تتجه للحصار الألماني الذي إنهار بحلول صيف عام 1944.

و تألمت تلك المدينة التي أستبسل سكانها بالدفاع عنها, و لكن قلة الغذاء لم ترحم أحد و تسببت في وفاة العديد, فيُذكر أن حصة كل شخص اليومية كانت 125 جرام من الخبز المخلوط ب”نشارة الخشب” بنسبة أكثر من 50%. و عندما يحل الشتاء الروسي العنيف و تصل درجة الحرارة في بعض الأحيان لأقل من 25 درجة تحت الصفر, يسقط العديد من القتلى في الشوارع بالمدينة و حسب ما ذكر السكان, في البداية كان يتأثر الجميع لذلك المشهد و لكن بحلول العام الثاني أعتاد السكان على مشهد إنتشار الجثث في الشوارع.

و ساء الأمر أكثر عندما بدأ ينتشر أكل لحوم البشر في المدينة نتيجة المجاعة, حيث يُذكر أنه كان يتم القبض عليهم و وضعهم بالسجون, و لكن في حالة القبض على أي مجرم أو مخالف تقوم الشرطة بتهديده بوضعه بالسجن بجوار أكلي لحوم البشر. حيث ذكر البعض حالات مأساوية وصلت لقتل رجل لزوجته لكي يُطعم من لحمها أبنائه. و لكن أحياناً تتداول تلك الروايات للتهويل.

و يبقى صبر ستالين و إعتماده على طريق الحياة هو أهم سبب في إنهيار النازية, و يُعتبر هتلر بالفعل كان صاحب اليد العليا في ذلك الحصار و كاد أن ينجح مخططه و لكن إستمراره في إتباع نفس الأسلوب في الهجوم رغم عدم نجاحه لمدة أجتازت العامين و إفتراضه المثالية دائماً في جميع خططه و نسبة نجاح 100% دون إفتراض أي خطأ أو نسبة فشل من أهم عوامل فشله في النهاية, و كما ذكرنا طريق الحياة الذي مد الشعب و بشكل خاص المقاتلين بالغذاء و السلاح و العلاج للمصابين كان عامل حاسم في تلك المعركة.

و تم عمل ميدان ضخم به تذكار لجميع ضحايا تلك المعركة العنيفة من سكان المدينة يُعرف باسم “ميدان النصر”.

ميدان النصر الشهير في روسيا
ميدان النصر الشهير في روسيا

لذلك نعود لنقطة البداية كما ذكرنا, لقد كان ستالين هو أهم و أذكى زعيم بتلك الحرب و الصخرة التي تحطمت فوقها قوات هتلر, و ليست أمريكا أو بريطانيا بل الإتحاد السوفييتي, إستدراج هتلر لداخل روسيا و بشكل خاص حدود لينينجراد و تلك المعركة و ذلك الحصار الدموي و تحمل ستالين الضغط و السيطرة على القادة من حوله و على الشعب بإستمرار المقاومة و الدفاع عن حدود المدن هو أهم عامل في سقوط هتلر و أهم عامل لإنهاء الحرب, و لكنه يبقى قد ضحى بجزء لا يستهان به من شعبه لكي يُحقق مخططه في النهاية, فإنتهت الحرب و إبتلع ستالين شرق أوروبا بالكامل و أمتدت ايضاً إلى إفريقيا و آسيا, بل بات ستالين يدمر مستعمرات الغرب في آسيا و إفريقيا بدعم نشر الشيوعية ليضعف جميع أعدائه و تُصبح المواجهة بين أمريكا و السوفييت فقط, حتى إنتهت كما نعرف جميعاً.

هل كان ستالين هو الأذكى بالحرب؟ الحكم لكم في النهاية…

و بذلك إنتهت تلك السلسلة و نتمنى أن ما تم عرضه كان مفيد.

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

لا تعليقات بعد على “الجزء الثالث: طريق الحياة الذي وهب السوفييت قبلة الحياة و أرسل ألمانيا إلى الجحيم.. معركة الصبر لصالح ستالين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: