الجزء الثاني: سباق على الإستشهاد. لقد رمينا الروم بأرطبون العرب.

بعد أن أوضحنا بالجزء السابق وضع الدولة الإسلامية و تشكيل الجيش و أعداد كلاهما, أرسل هرقل كما ذكرنا جيش ضخم مؤلف من 100 ألف جندي تقريباً ( وفي مصادر آخرى بين 60 – 70 ألف) و وضع على رأس الجيش أخيه (غير شقيق) “ثيودور” و الذي عُرف بالمصادر العربية باسم (تذارق) و أسند له ايضاً “فاردان” ليعاونه.

و يُعرف فاردان/واردان باسم “الأرطبون” و أصلها الأطربون و هي ترجمة لكلمة (تريبونوس) اللاتينية و التي تُمنح كمسمى للقادة في روما القديمة و تنقسم للقب سياسي و لقب عسكري كلاهما بمضاف و لكن الأساس تريبونوس أو أطربون و أو أرطبون. لذلك أطلق عمر بن الخطاب لقب أرطبون العرب على العبقري عمرو بن العاص عندما أرسل عمرو لعُمر يخبره أن أرطبون أعد للمسلمين جيش ضخم فرد عمر قائلاً:

“لقد رمينا الروم بأرطبون العرب فانظروا عمَ نتفرج”

و أستعد خالد و رتب جيشه و عين القادة على جبهات الجيش و أسند لأبو عبيدة قلب الجيش, و قبل الإلتحام صلى المسلمون صلاة الفجر و أقترب خالد من جيشه قائلاً:

“اتقوا الله عباد الله, قاتلوا في الله من كفر بالله و لا تنكصوا على أعقابكم..”

كان عدد جيش الروم ضخم بشكل مرعب, و لكن ألقى خالد كلمات على جنوده قبل المعركة منحتهم الثقة و ذكرهم بالآخرة, فتحولت تلك المعركة لسباق على الإستشهاد, ألتقى الجيشان و تعرض الروم آنذاك للمرة الأولى لجيش لا يخشي الموت و لجنود لا تتمسك بالحياة لا يهمها إلا النصر لله و ليس للنفس, كما أظهر خالد و عمرو قيادة لا تُنسى, و أظهر خالد بشكل خاص قوة و صمود هزت جيش الروم. و إنتهت المعركة بإنتصار ساحق و هرب أغلب قوات الروم من الضرب المبرح.

أحدثت تلك المعركة عدة تغييرات تاريخية غيرت من شكل العالم من بعدها و تُختصر في الآتي:

-بثت تلك المعركة روح القتال و الإستشهاد و غرست في المسلمين قوة المواجهة و عدم الخوف و أعلت من قيمة الشهادة بين الجنود.

-أظهرت تلك المعركة للمسلمين القدرة و أكدت على أن النصر من عند الله و على قدرة المسلمين من تحقيقه.

-أوضحت المعركة للقيادة المسلمة أنها تملك قادة عسكريين عباقرة و يمكنها أن تصل لأبعد مما كانت تتخيل (بأمر الله).

-أوضحت تلك المعركة لهرقل أن دولته التي بنيت على دماء العديد ستغرق في دماء قومه.

و بعد تلك المعركة أكد هرقل على ما سبق ذكره خشية من النتيجة و ما نُقل له عن أسلوب قتال المسلمين, حيث نقل مقره من حمص إلى أنطاكية ليبعد قدر الإمكان عن يد المسلمين. أما أرطبون الروم الذي لا يُقهر فقد سقط قتيل في تلك المعركة.

و كانت تلك المعركة شاهدة على حسن إدارة أبو بكر و أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم, و لم يقف عمرو بن العاص عند ذلك بل دخل سبسطية و نابلس و يبنى و عمواس و بيت جبرين و رفح. و أصبح إنتشار الإسلام في تلك المناطق أمر واقع على الدولة البيزنطية و سقوطها أصبح مسألة وقت لا أكثر. و كلما دخل بن العاص منطقة منح أهلها الأمان على أملاكهم, ليزداد سهولة إنتشار الإسلام فيما تلاها.

و بعد تلك المعركة ألتقى الجيشان مرة آخرى في مرج الصفر و تكبد الروم هزيمة ثقيلة ثانية, لتبقى تلك نُقطة الحسم قبل واحدة من أهم المعارك في تاريخ البشرية (رسمياً) “معركة اليرموك”.

كانت تلك الأخبار السارة هي رسالة الوداع لأبو بكر الصديق فوصلته تلك الأنباء و هو في آخر أيامه, و توفى أبو بكر بعد تلك المعارك في نفس العام و لم يلحق باليرموك, ليودع أبو بكر الأرض و يُصبح أول من يدخل الجنة من أمة محمد. تاركاً للأمة إرث إختصره أبو بكر في جملة قبل وفاته.

“من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات.. و من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”.

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

لا تعليقات بعد على “الجزء الثاني: سباق على الإستشهاد. لقد رمينا الروم بأرطبون العرب.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: