الجزء الأخير: السر وراء تحول اللعبة من متعة مشاهدة لصراعات دامية بين الجماهير.. و نهايتها..

و كما أوضحنا بالجزء السابق تحولت اللعبة للدموية بشكل مفرط و لكن هناك أسباب أُخرى هامة حولت تلك اللعبة لعداء شديد و تعطش غير مسبوق للدماء

فكان مع كل إصابة لأي محارب يبدأ تهليل الجماهير الغوغاء المتعطشة للدماء بشكل غير آدمي, و مع كل إصابة لأي محارب يبدأ الجمهور بالتهليل “هابت” (أصيب) و في النهاية عندما يسقط المحارب تحت رحمة خصمه يعطي الخصم الخيار للجمهور بين قتله أو تركه, و هنا يقوم الجمهور بالتلويح بمناديل و ذلك يعني عدم القتل أو الإشارة بإبهامهم للأسفل و ذلك يعني قتله (هناك خلاف طفيف على معاني الإشارات).

لوحة تشرح الجزء الاخير من اللعبة, و لاحظ إبهام الجماهير للأسفل مطالبة المبارز بقتل المبارز الاخر بينما يستنجد الاخر و يطلب الرحمة

و يتم منح الفائز أموال أو ما يعادله كمكافأة في النهاية بعد كل احتفال, و هناك بعض المحاربين الذين تمكنوا من الصمود لعدة احتفالات دون السقوط قتلى فكان يتم إطلاق سراحهم و طردهم من اللعبة و الدفع بوجوه جديدة, و لكن مع الوقت تحولت تلك اللعبة من مجرد متعة مشاهدة إلى حرب شرسة بين الجماهير و عداء شديد, فكيف بدأ ذلك؟

بالعودة لما ذكرناه أن هؤلاء المقاتلين كان يتم تدريبهم بمدارس مختصة لتحويلهم لمحاربين مميزين بهذا الشكل حيث أصبحوا فعلياً محاربين لديهم قدرة عالية على القتال و ليس فقط قتال استعراضي, دفع ذلك العديد من الأثرياء لإقتناء مقاتلين منهم ليصبحوا حرس شخصي لهم, و كان أغلب من يتخذ منهم حرس شخصي هم قادة الدولة السياسيين و العسكريين.

لذلك كان بمجرد بداية الإشتباك بين المقاتلين فذلك يعني صراع بين حرس شخصية بارزة في الدولة أمام حرس شخصية اخرى بارزة ايضاً أو ثرية, لذلك أصبح الأمر شبه حرب أهلية مصغرة بين قيادات الدولة الرومانية و أصبحت الهزيمة هي مهانة و ليست إستعراض و إستمتاع كما في السابق, لذلك تلك الفئة التي وصفت بفئة المحاربين المستقلة (التي ليست من الحرس) أصبحت فئة غير مرغوب فيها و الجميع يريد القتال بين حرسه ضد حرس الاخر, و ذلك يوضح سبب الكره الشديد تجاه أمثال سبارتاكوس و إندلاع إنتفاضة عنيفة بذلك الشكل.

و تحولت بذلك الشكل اللعبة إلى تجارة و أغراض شخصية و لم تعد مقتصرة فقط على الحلبة بل أصبحت فعلياً رياضة بحجم مسرح سياسي إقتصادي على مستوى الدولة, و أصبح إمتلاك الجلادييتور و بيعه تجارة مربحة للغاية قائم عليها تجار, و تحورت فكرة المحارب و كان للإستعراض جانب بالطبع, فهناك مثلاً من كان يملك مقاتلين من الأقزام فقط و هناك من يمتلك مبارزات نساء فقط كنوع من جذب الإنتباه و الشهرة و يتحول ذلك لأرباح.

مبارزات سيدات

و يُذكر أن هناك بعض رجال الصفوة من المجتمع لم يتمكنوا من كبح غرورهم لينزل بعضهم للمقاتلة, و ربما أشهر من قام بذلك هو الإمبراطور “كومودوس” بنفسه (و الذي أنتصر بالطبع بجميع قتالاته).

و أستمرت تلك اللعبة الدموية كما أوضحنا لقرون و هي قصة حياة دولة و ليست فقط لعبة أو إستعراض و تعكس تحور شخصية الدولة الرومانية, و بشكل خاص تلك اللعبة تاريخها بتفاصيلها هو مرآة بالفعل للدولة الرومانية على مدار 6 قرون تقريباً, أما إنهيارها فكان ذلك مع قسطنطين الأول, فبعد أن أصبحت المسيحية دين الدولة بدأ ينفر الأغلبية من اللعبة و طبيعتها حتى بدأ مكافحة إستمرارها و حظرها اكثر من مرة على يد قسطنطين حتى سقوطها بعده بما يُعتقد 50 – 70 سنة.

قسطنطين

و يُذكر أن تلك المسارح كان تُستخدم ايضاً لإطلاق الحيوانات المفترسة على معتنقي المسيحية في البداية لذلك مع صعود المسيحية كدين للدولة كان من المنطقي منعها و محاربة إستمرارها.

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

لا تعليقات بعد على “الجزء الأخير: السر وراء تحول اللعبة من متعة مشاهدة لصراعات دامية بين الجماهير.. و نهايتها..

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: