الجزء الأخير: عبقرية خالد: عندما أصبح طريق الإنسحاب.. أطول من طريق الموت

كما ذكرنا بالجزء الماضي, بعد هزيمة شديدة باليوم الرابع من المعركة, و عودة المسلمون لمعسكراتهم أرسل الجيش البيزنطي لخالد عرض صُلح و وقف الحرب في اليوم الخامس, إستغلالاً لإحباط الجيش في تلك الليلة, و لكن رفض خالد و قال أنه واثق أن النصر قد أقترب.

معركة اليرموك

و كان اليوم الخامس من أهم الأيام في تلك المعركة, حيث قرر خالد أن يعكس أسلوبه, ففي كل مرة كان يلتحم الجيش المسلم و لكن بأسلوب دفاعي, و ذلك لأولوية عدم سقوط قتلى أكثر من الهجوم على العدو, و أدرك خالد رغم الإحباط بمن حوله, أن القوات البيزنطية بدأت تتعب من القتال و من أسلوبه, فبعد مرور 4 أيام كاملة من الهجوم البيزنطي دون حسم و مع إستمرار هجمات القوات البيزنطية بكل ما تملك على أمل أن تنهي المعركة لصالحها. كان ذلك على حساب طاقة الجيش و قدرته على الإستمرار في الهجوم.

لذلك قرر خالد أن يستغل تلك النقطة, و بالفعل أعد بعبقرية خطة السقوط البيزنطية على يومان, كان الهدف من اليوم الأول, اليوم الخامس بالمعركة, أن يغلق خالد على البيزنطيين جميع طرق الهروب, وهذا ما حدث بالفعل, و رغم أن اليوم الخامس لم يكن يوم هام في القتال بقدر ما سبقه, إلا أنه كان يوم الإعداد لأهم ليلة في تلك المعركة.. الليلة الأخيرة.

بدأ اليوم السادس (الأخير) بالمعركة, 20 أغسطس 636 م, ليلة وثقها التاريخ, حيث أستهدف خالد في ذلك اليوم أن يُخرج سلاح الفرسان البيزنطي من أرض المعركة بأي طريقة, على أن يظل سلاح المشاة وحده داخل ميدان المعركة, فكان سلاح المشاة البيزنطي هو الأكبر من ناحية العدد في جيوشهم, و مع العلم بربط القوات على الأرض بسلاسل في المعركة, كما ذكرنا بالجزء الأول, كان القضاء عليه ليس بأمر صعب و لكن يحتاج لبراعة في طريقة الهجوم.

نجح خالد في سحب سلاح الفرسان البيزنطي بسلاح الفرسان المسلم, و أصبح سلاح المشاة في ساحة المعركة دون أي دعم, مما دفعهم للهرب كما توقع خالد و لكن فوجئ الجيش البيزنطي بإنتظار قوات مسلمة أُخرى على جميع المخارج من ساحة المعركة, ليبدأ بعضهم بإستخدام طرق أُخرى للهرب مثل النزول على الصخر و المياه ليغرق و يُقتل العديد و كأنه منتحر, أما من تبقى في ساحة المعركة فأصبح في مهب الريح.

أدرك الجيش البيزنطي تلك الحيلة و حاول جمع سلاح الفرسان و العودة مرة أُخرى و ترك مواجهة الفرسان المسلمين, و لكن تأخر الوقت لأن أغلق الجيش المسلم الطريق عليهم للعودة و أصبح كل سلاح من جيوش البيزنطيين محاصر بمكان مختلف, فأنفصلت جيوشهم. و في أرض المعركة هجم خالد أول هجمة على الجناح الأيسر البيزنطي, الأهم في جيشهم, و أنهاه, و في محاولة لإستخدام جسر للهرب كان قد دفع خالد ب500 جندي هناك ليكدسوا الجسر و يشلوا حركته تماماً.

أصبح طريق الإنسحاب فعلياً للبيزنطيين.. أطول من طريق الموت, و إنتهاء الجيش و سقوطه أصبح مسألة وقت, و ظل الجيش البيزنطي يفقد أعداد كبيرة من محاولات الهرب الفاشلة في كل إتجاه و التي تنتهي بالموت, فأحكم خالد قبضته على ساحة المعركة بأسلوب لم يشهده البيزنطيين من قبل, و لم يشهد العالم مثله في معارك لاحقة. ليتربع خالد بذلك الأسلوب أعلى قائمة قادة القوات للأبد. و لذلك وثقت تلك المعركة “اليرموك” ضمن أقوى المعارك التكتيكية في التاريخ.

سقط العديد من قوات الروم قتلى و لا يُذكر أي أسرى في تلك المعركة, و في تلك الليلة هُزمت الروم و أنطلق خالد نحو دمشق يُنهي ما بدأه في اليرموك و قُتل الطاغية فاهان الأرميني في تلك الهجمة, و وصلت الأنباء لهرقل و الذي لام نفسه و أعترف أنه السبب في الهزيمة بخروجه عن الدين و من ضمن ذلك زواج مُحرم من إحدى محارمه “مارتينا”, و أعلن هرقل أنه يعترف بالهزيمة بإعتبارها عقاب من الله على أفعاله و أفعال قومه.

و في تلك الليلة ودع هرقل سورية بأشهر كلمات في التاريخ:

“عليك يا سورية السلام, و نعم البلد هذا للعدو”

ملحمة اليرموك.. أكثر معركة حاسمة في تاريخ البشرية.

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

لا تعليقات بعد على “الجزء الأخير: عبقرية خالد: عندما أصبح طريق الإنسحاب.. أطول من طريق الموت

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: