“معركة الثنى/المذار”: عبقرية خالد بن الوليد: المعركة التي طبق بها خالد واحدة من أشهر المناورات العسكرية في التاريخ حتى اليوم!

و كما ذكرنا بالجزء الماضي, تمكن خالد بن الوليد بعبقرية من تحقيق إنتصار هام في أول إلتحام له مع الفرس (الدولة الساسانية) في معركة “الكاظمة/ذات السلاسل”. و قُتل هرمز على يد خالد في مبارزة فردية بينهما.

و بعد وصول أنباء مقتل هرمز و سقوط الأبلة (واحدة من أقوى الحصون الفارسية آنذاك و أهم نقطة إتصال تجاري مع الخارج للفرس), كان تأثير تلك الصدمة على الفرس كارثي, فأثناء إندلاع المعركة كان قد أرسل “أردشير شيرويه” (أردشير الثالث) إلى هرمز جيشاً ضخماً ليدعمه في صد جيش خالد بن الوليد, و لكن بسبب ثقل حركة جيش الفرس مقارنة بسرعة حركة جيش خالد. و التي ذكرنا بالجزء الماضي سببها ترتيب خالد خط سير الجيش ليتحرك أسرع, لم يلحق الدعم القادم من أردشير بهرمز إلا بعد وفاته.

أردشير الثالث
معركة المذار
أردشير الثالث

أنطلق خالد نحو الجيش الوافد الذي أرسله أردشير و الذي عين عليه “قارن بن قريانس” (باهمان في المراجع الغربية), و لكن كان ذكاء قارن عكس هرمز في أنه أدرك خطورة سرعة تحرك جيش خالد, فخفض من سرعة تحرك جيشه قدر الإمكان لكي يؤجل الإلتحام مع جيش خالد حتى يصل جميع الجنود المرسلة للدعم في تلك المعركة.

و أثناء ذلك كان يُنفذ خالد وصية أبو بكر الصديق قبل بداية تلك الحرب, بأن يمنح المواطنين بالمناطق التي يدخلها الأرض لهم مقابل دفع الجزية فقط و لا يأخذ منها شيئاً, و كان ذلك سبباً هام في هدوء الأوضاع بالمناطق التي يتمركز بها الجيش المسلم, فتلك الأراضي قبل دخول المسلمين لم تكن ملك المزارعين, و مع إسترداد المزارع ملكية تلك الأراضي عم الهدوء داخل المنطقة.

و من منطقة الحيرة أرسل خالد فرقة للتجسس و الإستطلاع على جيش العدو و الذين عادوا و أخبروه بتقسيم قارن قواته ل4 جيوش منها جيشه الأساسي و إنضمام جيش من العرب المسيحيين كدعم له, و بذلك أصبح لدى قارن 4 جيوش تستعد للإنضمام لتشكل جيش واحد ضخم و لكنها متباعدة لم تجتمع بعد, و قرر خالد على الفور ضرورة محاربة كل جيش منهم في معركة منفصلة لكي يتمكن من الإنتصار.

معركة المذار
تقسيم الجيوش

و قسم خالد جيشه ايضاً ل4 جيوش, و أرسل جيشين إلى “عين التمر” و التي أندلعت فيها معركة عين التمر, و كان القعقاع بن عمرو التميمي أحد قادة الجيشين, على أن يلحق بهم خالد بعد الإشتباك و يستفيد من إستراحة جنوده من المعركة ليلحق بهم الجنود بعد الراحة ايضاً في عين التمر و يُصبح لديه جيش صلب هناك مستريح كداعم و قائده خالد.

و أتخذ خالد بن الوليد قرار عبقري في تلك المعركة عندما أرسل للقعقاع ليندفع نحو نصف الجيش (أي جيشين من ال4) و أبقى على جيش صغير في الحيرة و انطلق خالد بجيش صغير ايضاً إلى عين التمر, و بذلك أصبح جيش الفرس مجبراً على الإشتباك قبل التجمع نتيجة إنشغال كل جيش في معركة. و بذلك قسم خالد المعركة الكبرى لمعركتين صغيرتين.

معركة المذار
معركة الثنى

و تمكن القعقاع من حسم الأمور مبكراً بضربة قوية بجيش الفرس الذي أنسحب جزء منه منهزم و عاد لمركز القيادة (خنافس), و عند عودة الجيش المنهزم سحب القائد الفارسي الجيش و جمعه بالكامل و حدد منطقة المصيخ ليهجم عليها بجيشه كاملاً و يضرب المسلمين ضربة واحدة بجيش ضخم لحسم الأمور.

و بالفعل إنطلق جيش الفرس الموحد بمن تبقى نحو “المصيخ” ثم عسكر ليستريح, و لكن المفاجأة كانت إنتظار خالد بن الوليد بجيش هناك, وكما ذكرنا بجيش مستريح لم يلتحم بمعركة, بل و قسم خالد جيشه ل 3 جيوش ليطوق جيش العدو و أطلق جواسيس لتلقي نظرة و تُحدد أماكن معسكرات جيش الفرس بالتحديد و مداخلها, لذلك أنطلق خالد نحو معسكرات الفرس في المصيخ ب3 جيوش يوجهها الجواسيس, و كان دخول جيش المسلمين لمعسكرات الفرس ضربة قاتلة لم يقع بها أي خطأ لدراسة الجواسيس مواقع الفرس جيداً.

كانت صعوبة قيادة تلك الهجمة دوناً عن غيرها و الذي أعطاها شهرة عالمية بهذا الشكل يكمن في طريقة قيادة خالد للهجوم ب 3 جيوش من 3 زوايا و لكن “في الليل” لذلك أعتبرت تلك الهجمة تاريخياً واحدة من أصعب الهجمات العسكرية التي قادها أي قائد عسكري, و قد تميزت تلك الهجمة بشكل خاص عن غيرها من أساليب و تكتيك خالد في القيادة بسبب قيادة 3 جيوش في “الليل” و هو تكتيك نادراً ما حاول أي قائد عسكري حتى يومنا هذا تطبيقه لصعوبته.

أنهى خالد تلك المعركة بنجاح كسابقتها و أثبت حضور الجيش المسلم داخل أرض الفرس, و كما أوضحنا بالجزء السابق ظل تكتيك خالد بن الوليد و الإبتكارية في طريقة قيادة المعارك عامل حاسم في إنتصارات جيوش المسلمين في تلك الفترة رغم فرق الأعداد بينه و بين أعدائه بهذا الشكل الصادم, و في تلك المعركة يُذكر أن عدد ضحايا الفرس كان 30 ألف بالإضافة إلى من قُتلوا غرقاً في النهر أثناء محاولة الهرب, و عدد جيش المسلمين كاملاً لم يتخطى ال 15 ألفاً.

دارت أحداث المعارك المذكورة “الحيرة – عين التمر – الثنى/المذار” في شهر رمضان 12 هـ/ نوفمبر 633م.

يُتبع في المحطة التالية بإذن الله “معركة الولجة”.


معركة الولجة: خالد بن الوليد: “كماشة خالد”


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: