معركة الولجة: خالد بن الوليد: “كماشة خالد”

الجزء الأول: كيف تمكن خالد من الإنتصار سياسياً على الفرس قبل الإنتصار عسكرياً!

و كما ذكرنا بالجزء السابق تمكن خالد بن الوليد من تحقيق ثاني إنتصار حاسم له في ثاني معركة له ضد الفرس (و التي أنقسمت لمعركتين) في معركة “المذار” و سحق خالد قوات الفرس (الدولة الساسانية) فيما عُرف باسم “جيش قارن” و قبله في معركة ذات السلاسل “جيش هرمز” و تمت التسمية للقوات باسم القائد العام بكل ساحة نظراً لكثرة إنتصارات خالد على جيوش مختلفة من الفرس في معارك منفصلة.


الجزء الثاني: المعركة التي كادت أن تُسقط خالد بأرض الفرس.. لولا عبقرية خالد (بأمر الله)


عبقرية خالد بن الوليد في دخول أرض الصعاب “أرض الفرس”, نظراً لقوة جيشهم, تكمن في قدرته على تفادي مواجهة جيش كامل, و أدرك خالد من يومه الأول أن العامل الحاسم في إنتصاره داخل أرض الفرس هو تحقيق إنتصارات متتالية في معارك ضد جيوش منفصلة ضمن الجيش الساساني العام, و رغم ذلك كانت تلك الجيوش المنفصلة أعدادها تفوق أعداد جيش خالد و بكثير.

و قد دعم أبو بكر الصديق من البداية ذلك المفهوم بعبقرية عندما قرر أن جميع الجنود المنضمين لجيش خالد في حربه ضد الفرس و العائدين من حروب الردة التي أنهكت الجيش, يكونوا من الجنود المتطوعين, و بذلك كما ذكرنا ضمن أبو بكر لخالد أن يحظى بأكثر الرجال المخلصين و أكثرهم إيماناً بضرورة إستمرار الفتوحات الإسلامية.

و مما سبق لم يكتفي خالد بذلك, ذكاء خالد كقائد لم يقتصر على عبقرية عسكرية و تكتيك فقط, بل الشطر الهام الذي يجب ذكره من حياة خالد بن الوليد هو عبقريته السياسية و براعته في التخطيط, فدخل خالد أرض الفرس بفكر واحد لم يتضح إلا لاحقاً عندما بدأ المؤرخون تحليل خط سيره, فكان يدرك خالد أن أهم ما يمتاز به جيشه على جيش الفرس هو “عامل سرعة التحرك” و إستغلال هذا العامل هو الذي ضمن لخالد دخوله في معارك متفرقة مع جيوش الفرس قبل أن يلحقوا بجمع جيش بحجم عملاق, لذلك توالت المعارك تباعاً و كانت في كل مرة أصعب على جيش الفرس.

فإستغلال خالد بن الوليد لسرعة حركته و إصراره و تركيزه على تحقيق إنتصارات متتالية في البداية نشر الرعب داخل الدولة الساسانية و أصبحت عزيمة كل جيش يواجهه خالد تلو الآخر أقل ممن سبقه نظراً لدخول عامل الرهبة كعامل إضافي لعامل السرعة, بل و أعتمد خالد على إستغلال أسلحة العدو و العتاد و الغذاء من داخل أرض العدو ليُصبح وقود نجاح تلك الحرب العظمى.

بالعودة إلى المعركة “الولجة”, كان الجيش المسلم قد أنهى جيش قارن بهزيمة مدوية أليمة سقط بها العديد من القتلى بساحة المعركة و غرقاً في محاولة الهرب عبر النهر, و بعد إنتهاء تلك المعركة و وقف القتال كان الجيش الثالث الذي أرسله الإمبراطور الساساني لكي يواجه جيش المسلمين قد وصل لتوه و لم يلحق ليدعم جيش قارن مثلما حدث مع قارن بعدم لحاقه لدعم هرمز, لعامل السرعة في الهجوم كما ذكرنا.

و لكن تلك المرة تم إرسال جيشان, الأول بقيادة “أندرزغر/اندرزاغر” و الثاني بقيادة “بهمن/باهمان جاذويه” (ذو الحاجب), و كان جيش أندرزغر أول الواصلين و الذي أقترب من المذار ليجد جيش قارن أمامه منهك من شدة الهزيمة و لكنه ضم إلى جيشه جميع من يصلح لدخول معركة أُخرى و ترك البقية, و لكن هذا المشهد أثر بشدة في قواته و كان نقطة البداية لنشر الرعب بمختلف جيوش الفرس لاحقاً.

و كان يخطط الجيش الساساني بإستمرار الضغط بهذا الشكل بإرسال جيش تلو الآخر على أن يُجبر خالد على البقاء بمحور الفرات حيث كان المحور الأبعد عن المدن و تواجد خالد بتلك المنطقة سيجبره على خوض العديد من المعارك مروراً حتى يتمكن من دخول المدن, و لكن بالنسبة لخالد كان يُدرك ذلك جيداً و كان يعتمد على سرعة تحرك جيشه لإنهاء المعارك العظمى على أجزاء كمعارك صغرى كما ذكرنا.

و بعد أن جمع أندرزغر جيش ضخم بضم بقايا جيش قارن لجيشه أتجه نحو الولجة لصد زحف خالد بن الوليد, حيث أدرك الإمبراطور يزدجرد أن تحرك خالد يحوم حول النهر و لا يريد المرور عبر الصحراء, لبقائه جنب النهر كفائدة و لإستغلال الصحراء لاحقاً كمنطقة بعيدة عن القتال في حالة حاجته للإنسحاب, و حدد الولجة على أنها المنطقة الأمثل لوقف إستمرار خالد عندها, و على الصعيد الاخر جمع الإمبراطور “يزدجرد الثالث” جميع قوات الجيش المتبقية بأوامر منه للإتجاه نحو العاصمة لحمايتها إلا الجزء الغربي لضمان حماية حدود دولته من الإمبراطورية البيزنطية (الروم).

كان خالد على إستعداد لمواجهة جيش أندرزغر و لكنه أدرك كارثة على وشك الوقوع.. و لو سقط بها أو أخطأ ستُنهي جيشه كاملاً و لن يخرج جندي واحد من جيشه من تلك المعركة على قيد الحياة, فما هي تلك الأزمة؟ و كيف تعامل معها خالد؟ يُتبع بالجزء التالي بإذن الله غداً.

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

لا تعليقات بعد على “معركة الولجة: خالد بن الوليد: “كماشة خالد”

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: