الجزء الثاني: كيف أصبح نوستراداموس دجالاً ناجحاً.. و حكاية الرحلة التي جعلته يرى المستقبل بوضوح!

و كما ذكرنا بالجزء الماضي كان نوستراداموس عبقري سبق عصره بعِلمه الذاتي و تمكن من الوصول لقمة العِلم, و لكن في عهد كان يسعى الناس خلف السحر و التنجيم و الجهل و لم يؤمنوا بأهمية العلم بقدر أهمية السحر.. و ذلك كان يصب في مصلحة رجال الدين “الفاسدين” و الحُكام, لذلك تحول نوستراداموس إلى التنجيم.. و لكن كيف بدأ ذلك و ماذا كانت أول نبوءة لأشهر منجم في التاريخ؟

بدايته في مجال الدجل بدأ برحلات إلى إيطاليا و اليونان ثم تركيا, و من خلال تلك الرحلات و بعبقرية نوستراداموس التي أوضحناها بدأ أول عملية تنجيم له, عندما عاد و قال أنه قابل كاهن اسمه “فيليس بيرجينتيل” و الذي سيُصبح بابا في المستقبل.. و الذي أصبح بالفعل البابا “سيكتوس الخامس”.. بعد وفاة نوستراداموس.

سيكتوس الخامس
سيكتوس الخامس

و فهم نوستراداموس أوروبا و المتحكمين بها في تلك الفترة جيداً, و وصل لقناعة أن التنجيم أهم من العلم أي أن الناس دخلت في دوامة معرفة الغيب و تركت أهمية إصلاح الحاضر و ربما يعود ذلك للقمع و سوء الأحوال و الأوضاع في أوروبا مع إنتشار الأوبئة و فقد الثقة و الإيمان بتغير الأمور للأفضل..  ليبدأ رحلته و التي جمع جزء كبير منها في كتاب مكون من رباعيات تحتوي على العديد من النبوءات الشهيرة و كما ذكرنا تعمد كتابتها بشكل يصعب فهمه بإدراج 4 لغات بكتاباته لكي يحمي نفسه من الكنيسة الكاثوليكية بمحاكمته بتهمة التنجيم أو ربط توقعاته بالسحر و إعدامه.

كتاب النبوءات
كتاب النبوءات

و كُتبت تلك الرباعيات بمزج اللغة اليونانية و الإيطالية و اللاتينية و الفرنسية (بلهجة الجنوب) و بسبب ذلك المزج بين الأربعة لغات ربط العديد تلك الكتابات بالشيطان و أن نوستراداموس قد نقلها عنه. و في فترة ما كان يخشى الجميع التنقل بسبب الوباء كان نوستراداموس و الذي كان قادر على تفادي الإصابة بالطاعون (بأمر الله) بالوعي, سمح له ذلك التنقل بحرية أكبر و الإنفراد بتلك الجولات الهامة في وقت صعب.

نوستراداموس
نوستراداموس

و من خلال تلك الجولات و التعمق في حضارات الشعوب و ماضيها و حاضرها وصل نوستراداموس (حسب ما أتفق أكثر المؤرخون) لقناعة واحدة أثبتها الوقت ألف مرة و هي ببساطة “أن التاريخ يعيد نفسه”. و من خلال تعمق نوستراداموس في تاريخ الشعوب و إستناده على جزء من علم التنجيم, جزء علمي, و هي حسابات الوقت و إحتمالية تكرار نفس الحدث, تمكن من توقع العديد من الأحداث بالفعل و توقع تاريخ قريب للغاية من حدوثها مرة أُخرى و ذلك هو جوهر نبوءات أشهر منجم خدع العالم حتى اليوم. فجوهر التنجيم في النهاية كان التنوير و العلم و ليس السحر و الجهل.

لذلك تمكن نوستراداموس بذكاء توقع أحداث مثل بداية الثورة الفرنسية, إكتشاف البسطرة, صعود النازية و شخصية هتلر, إندلاع الحمى الإسبانية.. و يحاول البعض ربط أحداث 11 سبتمبر بإحدى رباعياته بتحدثه عن صخرتين عملاقتين في مكان أطلق عليه “المدينة الجديدة” و لكنها محاولة فاشلة. كما حاول البعض ربط أُخرى بتوقع إغتيال جون كينيدي و لكنها غير مقنعة ايضاً و أضف إلى ذلك تدمر هوريشيما و ناجازاكي و حريق لندن. و لكن بعيداً عن كل ذلك تبقى تكرار الأحداث بين هتلر و نابليون واحدة من أكثر الحالات التي تُثبت أن التاريخ يعيد نفسه بشكل كبير.

هتلر و نابليون
هتلر و نابليون

و من الواضح فيما تم ذكره أن جميعها تستند على أحداث مشابهة تدور حول فكرة واحدة و هي صراع التسليح و التوسع بين الدول أو بداية وباء كذلك الذي عهده نوستراداموس و تكرر في تاريخ من سبقوه حسب ما قرأ, فصعود نابليون و صعود هتلر هو نقطة واحدة و لكن مع إختلاف الأزمنة و كلاهما يُشبه صعود عدة قادة في عهد سابق لنوستراداموس. و ايضاً إندلاع حريق لندن سبق تكراره في لندن ذاتها أكثر من مرة, و إندلاع الثورة الفرنسية ما هي إلا أنجح ثورة فلاحين وقعت بعد قرون من ثورات مشابهة.

لذلك فكذب المنجمون و لو صدفوا, هي أصح جملة تصفهم في النهاية فهي صدفة, و لكن يبقى نوستراداموس هو الرجل الذي رأى المستقبل فقط بتعلمه من دروس الماضي و ليس بالتنجيم, إنما تمكن من أن يصنع لنفسه اسم يعلو بعد وفاته, في الوقت الذي أحبطت أوروبا سبقه في الطب في محياه.. فهي في النهاية شُهرة “مستحقة”..

ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

لا تعليقات بعد على “الجزء الثاني: كيف أصبح نوستراداموس دجالاً ناجحاً.. و حكاية الرحلة التي جعلته يرى المستقبل بوضوح!

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: