تاريخ اليونانيين في مصر

الجزء الأول: لماذا توافد المهاجرين الأوروبيين على الإسكندرية بشكل خاص؟

بدأ الأمر من خلال محمد علي باشا الذي سعى إلى جذب المهاجرين إلى المدينة التي كانت تعتبر جديدة بعد التوسعة “الإسكندرية”, و كان الجذب يعتمد على منح الأراضي و بعض التسهيلات.

محمد علي باشا
اليونانيين في مصر
محمد علي باشا

كلمة السر في هجرة اليونانيين بشكل خاص إلى الإسكندرية بهذا الكم في عهد محمد علي باشا هي “مايكل توسيتزا”, و مايكل كان رجل أعمال ثري بدأ حياته كتاجر “فراء” حتى أصبح صاحب إمبراطورية تجارية عملاقة أمتدت إلى إيطاليا و مالطا, و الذي أرسل لاحقاً أخويه لإفتتاح فرع جديد ايضاً في مصر بدعوة من محمد علي باشا.

توسيتزا

و بذلك كانت أوائل العائلات التي هاجرت إلى مصر هي عائلة “توسيتزا” اليونانية الشهيرة فيما يقرب لعام 1820, و قبلت العائلة الإنتقال إلى الإسكندرية نظراً لعلاقة الصداقة القوية بين محمد علي و عائلة توسيتزا عندما كان محمد علي تاجر تبغ مع والده في “كافالا” (مدينة يونانية) حيث وُلِد. و بإنتقال تلك العائلة إنتقلت العديد من العائلات تباعاً من أطباء لمهندسين لمعلمين و الذين درسوا في الجامعات الأوروبية العريقة.

كافالا

و لكن كل تلك الأحداث حلقة الوصل بها كانت “الدولة العثمانية”, فكان العداء بين اليونان داخلياً و بين الدولة العثمانية, قبل إستقلال اليونان, أعطى اليونانيين الرغبة في الإنتقال إلى دولة تعطي اليوناني إستقلالية وطنية و دينية ايضاً, فبعد مرور فترة إنتقل مايكل توسيتزا نفسه إلى مصر و أصبح مقرب من محمد علي باشا و أشبه بمستشاره التجاري و أسس معه بنك الإسكندرية و أصبح واحد من أقوى مالكي الأراضي في مصر.

و لم يمر سوى عام واحد حتى بدأت حرب الإستقلال اليونانية عن الدولة العثمانية عام 1821, و التي إستمرت ل9 سنوات تقريباً, و تمكن محمد علي باشا من السيطرة على مصر و إقتصادها بشكل كبير و بدأ مفهوم المساواة و الإستقرار الديني بالدولة, و سمح محمد علي باشا لتوسيتزا و العديد من الوافدين اليونانيين المسيحيين الجُدد بممارسة شعائرهم الدينية بحرية كما مكنهم من تشكيل ترابط في المجتمعات المسيحية دون أي عوائق. و ذلك شجع المزيد على السفر إلى الإسكندرية و الإنتقال للعيش فيها.

إعدام جريجوري في اليونان

و من النقاط الهامة ايضاً, ضغط محمد علي باشا لاحقاً على بريطانيا و فرنسا لكي يضغطوا على اليونان التي أستقلت حديثاً لكي تمنح “مايكل توسيتزا” منصب القُنصل اليوناني في مصر, و أصبحت بذلك القنصلية اليونانية في مصر هي أول قنصلية في تاريخها (اليونان), و تُعتبر تلك نقطة تحدي كبيرة منه للدولة العثمانية, رغم تعرض توسيتزا لنقد حاد من الصحف و الكتاب اليونانيين آنذاك لبقائه بجوار محمد علي رغم دخول ابنه إبراهيم باشا بهجوم حاد بصف الدولة العثمانية على اليونان. و وصفوه بالخائن و الذي ولاءه لمحمد علي أكثر من ولاءه لبلده.

و النقطة الأخيرة الهامة في وفود الأوروبيين على مصر و بشكل خاص الإسكندرية هي تسهيلات محمد علي باشا للأوروبيين و إعفائهم من بعض الرسوم في حالة تأسيس منشئات تجارية داخل الإسكندرية “الجديدة” حسب ما كان تُوصف آنذاك بعد عملية التوسعة الكبيرة التي قام بها محمد علي باشا في تلك الفترة.

الإسكندرية عام 1870 تقريباً
الإسكندرية عام 1870 تقريباً

و شملت تلك التسهيلات تبعية السكان الأوروبيين بالدولة إلى سفاراتهم أو قنصلياتهم على أن المحاكم المصرية المحلية ليس لها أي سُلطة على الأوربيين بمصر و لا يُمكن رفع قضية بين أوروبي و مصري أو العكس داخل تلك المحاكم, أي أن المواطن الأوروبي كان يعيش في مصر بقوانين بلده, و ظل الأمر كذلك حتى تم تأسيس المحاكم المختلطة لاحقاً.. (ضمن ما سنعرضه في الأجزاء التالية بإذن الله).

و يُذكر ايضاً أن عبد الحميد الثاني (السلطان العثماني) قام بنقل العديد من اليونانيين المسلمين الهاربين من المذابح داخل اليونان إلى بعض الدول التابعة للدولة العثمانية آنذاك مثل مصر و الشام. و الذين عُرفوا بمُسلمي كريت الذين هربوا من إنتفاضة كريت العنيفة التي كانت تسعى هي الأُخرى للإنفصال عن الدولة العثمانية و أنضمت لليونان لاحقاً بدعم قوى الغرب.

السلطان عبد الحميد الثاني
السلطان عبد الحميد الثاني

و في النهاية, يجب أن نوضح ايضاً أن الأسلوب الذي أتبعه محمد علي باشا مع توسيتزا بنسبة كبيرة مشابه لأسلوب سليمان القانوني في السابق مع فرنسا بعهد “فرانسوا الأول” عندما تحالفت القوتان رغبة من فرنسا بتأمين الحماية على أرضها بتحالفها مع الدولة العثمانية, و في المقابل منحهم السلطان سليمان بعض الإمتيازات داخل أراضي الدولة العثمانية منها تأسيس سفارة فرنسية على أرض عثمانية و التي عادت بالنفع الإقتصادي و تناقل الخبرات العسكرية ايضاً على الدولة العثمانية.. و كان ذلك تحدي كبير من سليمان للإمبراطورية الرومانية المقدسة آنذاك.


الجزء الثاني: لماذا صُنفت علاقة مصر و اليونان.. كأغرب علاقة بين دولتين في العصر الحديث!


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: