الجزء الثالث: من هو زيزينيا.. و لماذا دخل محمد علي حرب اليونان فعلياً؟

عودة إلى ما قبل صعود عباس حلمي و أغتياله, و قبل وفاة محمد علي باشا, كانت محاولة صعود محمد علي باشا بالدولة في البداية تشكل خطراً كبيراً للدول الأوروبية و التي بالكاد بدأت تسيطر و تتمكن من الدولة العثمانية إقتصادياً و سياسياً تمهيداً لهدمها عسكرياً, إلا أن خروج محمد علي باشا عن طوع الدولة العثمانية في تلك الفترة و بجيش قوي كان عامل مقلق للعديد من الدول الأوروبية ما دفعها في النهاية للوقوف بجوار الدولة العثمانية ضده.

رغم ما أوضحناه من تسهيلات و مساعدات من محمد علي باشا لليونانيين بمصر, و لكن كما كان يفيد محمد علي باشا اليونانيين كان يستفيد منهم ايضاً, فعلى سبيل المثال في عام 1825 منعت فرنسا شركة صناعة السُفن في “تولوز” بفرنسا من بيع أي سفن حربية لمصر رغم حاجة محمد علي باشا لها و إتفاقه على تصنيعها و توريدها.. و لكن مستشار محمد علي العبقري إقتصادياً و صاحب النفوذ و العلاقات الممتازة في أوروبا “توسيتزا” لجأ لأحد اليونانيين “ستيفانوس زيزينياس” أو كما عُرف باسم “ستيفان زيزينيا”.

و كان ستيفان يوناني الأصل هرب من اليونان قديماً إلى فرنسا و أستقر بها لفترة و حصل على الجنسية الفرنسية و كان من المقربين لتوسيتزا و صاحب نفوذ و رجل أعمال ايضاً و أنتقل إلى مصر في تلك الفترة, و سافر زيزينيا إلى فرنسا و تمكن من شراء السفينتين و أهداهما إلى محمد علي باشا كهدية للأسطول المصري لاحقاً, و لكن في المقابل منحه محمد علي باشا قطعة أرض كبيرة في الإسكندرية.

الإسكندرية بين عام 1800 - 1900
الإسكندرية بين عام 1800 – 1900

و بحلول عام 1850 عُرفت تلك المنطقة باسم “الرمل” و التي تطورت لتُصبح منطقة أوروبية على أرض مصرية بالفعل, و بها حي زيزينيا الشهير حالياً نسبة لاسمه (لاسم قصر العائلة) كما تم بناء أول فندق في الإسكندرية بها و هو فندق “سان ستيفانو” بعد وفاة محمد علي باشا لاحقاً. و تمكنت عائلة زيزينيا من تلك المنطقة لفترة طويلة و أصبحت المنطقة “الرمل” و حتى ستانلي أحد أرقى المناطق بمصر بالكامل و مليئة بالمنازل الفخمة و أغلب سكانها من الأجانب.

حي زيزينيا بالإسكندرية قديماً
حي زيزينيا بالإسكندرية قديماً

و أستفاد زيزينيا من تلك المنطقة أفضل إستفادة و لكن لم يستفيد محمد علي باشا من سفنه الحربية, فدخلت السفينتان ضمن أسطول إبراهيم باشا المتجه إلى اليونان للحرب بصف الدولة العثمانية, و تدمرت السفن, و بسبب حظر فرنسا توريد أي سفن لمصر و لأسطول محمد علي باشا لم يتمكن من إرسال الدعم لجيشه في اليونان. و خسر كلاً من توسيتزا و زيزينياس شعبيتهما في اليونان بشكل كبير بعد أن أنتشرت الأنباء عن إلتزامهم بالولاء لمحمد علي باشا رغم هجومه على الدولة اليونانية بجيش.

و لكن ظل توسيتزا و زيزيزنياس ملازمان لمحمد علي باشا في كل شئ بما يشمل رحلاته, و أنضم لهم ايضاً “بافيلديس” و الذي أسلم و غير اسمه و أصبح معروف باسم “درانت باشا”.

لذلك بتقرب اليونانيين من محمد علي باشا و هجومه على اليونان بجيش و دعمهم له بذلك الشكل في تلك الهجمة, يجعل العديد من المؤرخين يميل إلى أن هجوم محمد علي باشا على اليونان لم يكن مساعدة للدولة العثمانية و لا من أجل أطماع بالإتساع داخل الشام فقط, بل كان الهدف الرئيسي هو دخول أوروبا بجيش و الحصول على قطعة بداخلها لبداية محاولة إنتشار فيها و أخذ مكانة الدولة العثمانية في أوروبا..

و لا عجب في ذلك لأن كما يتضح لنا من خط سير حياة محمد علي باشا, سواء تتفق معه أم تختلف, إلا أنه كان حاكم طموح يسعى لتوسعة ملكه بأي ثمن و لأقصى حد ممكن. فربما رأى في الحصول على أثرى رجال اليونان و أقواهم نفوذاً و خلط الشعوب و ثقافتهم ببعضها فرصة من أجل الدخول كحاكم باليونان في المستقبل, و لكن بشكل عام لم ينجح في ذلك و لم يكن لتتركه بريطانيا أو فرنسا أو روسيا ليحقق ذلك.


الجزء الرابع: اليونانيين في مصر.. عباس حلمي الأول.. صاحب أول محاولة ضد الغرب


ma3lomapoi

كل ما نهدف له نقل المعرفة والثقافة قدر المستطاع والمواضيع ليست كلها جادة ولكنها موضوعة بجدية

لا تعليقات بعد على “الجزء الثالث: من هو زيزينيا.. و لماذا دخل محمد علي حرب اليونان فعلياً؟

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: